أزمة الطحالب المصرية.. تواجه منظومة تحلية المياه في إسرائيل أزمة مستمرة بسبب انتشار كثيف لطحالب مجهرية في مياه البحر المتوسط، تسبب في ارتفاع مستويات العكارة وتعطيل عدد من محطات التحلية، وسط مخاوف إسرائيلية من امتداد الأزمة لأسابيع، في وقت لم تُعلن فيه حتى الآن نتائج تجربة أُجريت قبالة سواحل عسقلان لمحاولة الحد من انتشار الطحالب.
أزمة «الطحالب المصرية» تربك إسرائيل
بدأت الأزمة مع ارتفاع غير معتاد في عكارة مياه البحر، بالتزامن مع انتشار الطحالب الدقيقة، ما أدى إلى توقف محطة عسقلان ومحطة أسدود عن العمل، بينما تعمل محطات بلماحيم وسوريك «أ» و«ب» بقدرات منخفضة، في حين ظلت محطة الخضيرة تعمل بصورة طبيعية.
وكانت تقارير إسرائيلية قد أشارت في بداية الأزمة إلى أن 5 من أصل 6 محطات رئيسية لتحلية مياه البحر تأثرت بالظاهرة، الأمر الذي دفع السلطات إلى زيادة الاعتماد مؤقتًا على مصادر مياه أخرى لتعويض جزء من الطاقة المفقودة من محطات التحلية.
لماذا يصعب التعامل مع الطحالب؟
تكمن خطورة الطحالب المجهرية في صغر حجمها، إذ يمكن لبعضها تجاوز مراحل الترشيح والوصول إلى أنظمة التحلية، ومع ارتفاع تركيزها قد تتسبب في انسداد أو تضرر الأغشية المستخدمة في عمليات التناضح العكسي، وهو ما يهدد كفاءة المحطات ويرفع تكاليف التشغيل والصيانة.
وبحسب التقارير الإسرائيلية، فإن تشغيل بعض المحطات بكامل طاقتها في ظل استمرار ارتفاع تركيز الطحالب قد يؤدي إلى تعرض أغشية الترشيح للضرر، ولذلك لجأت السلطات إلى تشغيل بعض المنشآت جزئيًا كإجراء لإدارة المخاطر والحفاظ على المعدات.
هل جاءت الطحالب من مصر؟
ربطت مصادر إسرائيلية الظاهرة بانتشار طحالب دقيقة في منطقة دلتا النيل، مع انتقالها بفعل التيارات البحرية نحو السواحل الإسرائيلية، إلا أن طبيعة الظاهرة والعوامل الدقيقة التي أدت إلى هذا الانتشار لا تزال محل دراسة، وأظهرت صور الأقمار الصناعية تغيرات في لون المياه بمناطق واسعة من شرق البحر المتوسط، بالتزامن مع الأزمة.
ووفق تقديرات مسؤول إسرائيلي في قطاع المياه، امتدت المنطقة المتأثرة بالعكارة لمسافة تقارب 100 كيلومتر وبعرض نحو 7 كيلومترات، بينما أشارت تقديرات أخرى إلى أن الظاهرة مرتبطة بمزيج من حركة البحر والطقس وانتشار الطحالب الدقيقة القادمة من منطقة النيل.
في محاولة للسيطرة على الظاهرة، أجرت سلطة المياه الإسرائيلية تجربة قبالة سواحل عسقلان، استخدمت خلالها طائرات لرش مواد تحتوي على كبريتات النحاس فوق مناطق رُصدت فيها تجمعات مرتفعة من الطحالب، بهدف الحد من انتشارها ومنع وصولها إلى مآخذ محطات التحلية.
وذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية أن عملية الرش تمت على امتداد نحو 9 كيلومترات وعلى مسافة تقارب كيلومترًا من الساحل، باستخدام خليط من مواد كيميائية من بينها كبريتات النحاس وكبريتات الألومنيوم وبيركربونات الصوديوم.
لكن نتائج التجربة لم تُعلن حتى الآن، رغم أن سلطة المياه كانت قد أشارت إلى إمكانية ظهور نتائج أولية خلال فترة قصيرة من تنفيذها، واستمرار توقف بعض المحطات بعد التجربة دفع السلطات إلى التعامل مع احتمال استمرار الأزمة لفترة أطول.
مع استمرار الاضطرابات، بدأت السلطات الإسرائيلية في الاستعداد لسيناريو استمرار المشكلة، إذ أعلنت سلطة المياه ووزارة الطاقة اتخاذ قرار بشراء مخزون مخصص من أغشية التحلية، يتضمن آلاف الأغشية، لاستخدامها في حال تعرض الأغشية الحالية للانسداد أو التلف بسبب الطحالب.
وتأتي هذه الخطوة في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار تشغيل بعض المحطات في وجود الطحالب إلى تلف الأغشية، وهي مكونات أساسية في عمليات التحلية واستبدالها قد يحمّل الدولة والمشغلين تكاليف إضافية كبيرة.
محاولات لإيجاد حلول بديلة
وبالتوازي مع تجربة المعالجة الكيميائية، تعمل عدة فرق بحثية على إيجاد حلول للتعامل مع الطحالب قبل وصول مياه البحر إلى أنظمة التحلية، فيما تدرس سلطة المياه إمكانية استخدام تقنيات المعالجة المسبقة التي تعتمد على إضافة مواد تساعد على تجميع الطحالب ورفعها إلى سطح المياه قبل إدخالها إلى منظومة التحلية.
وتستند هذه المقاربة إلى تقنيات معالجة مسبقة مستخدمة في بعض أنظمة المياه، تقوم على فصل المواد العضوية والطحالب قبل وصولها إلى مراحل الترشيح الدقيقة، بما قد يقلل الضغط على أغشية التحلية ويحافظ على كفاءة التشغيل.
ورغم تأثير الأزمة على قدرات التحلية، تقول السلطات الإسرائيلية إن إمدادات المياه للمنازل والصناعة لا تزال مستمرة، مع اللجوء إلى زيادة ضخ المياه من مصادر طبيعية وخزانات ومئات الآبار لتعويض الانخفاض المؤقت في إنتاج محطات التحلية.
وفي المقابل، تأثرت قطاعات زراعية، خصوصًا في جنوب إسرائيل، نتيجة تقليص إمدادات المياه المخصصة للري، بينما اضطرت السلطات إلى اتخاذ إجراءات للحد من استخدام المياه العذبة في ري الحدائق والمساحات العامة.
أزمة تكشف هشاشة الاعتماد على التحلية
وتسلط الأزمة الضوء على مدى اعتماد إسرائيل على تحلية مياه البحر كمصدر رئيسي للمياه، إذ تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن محطات التحلية الكبرى توفر نحو 80% من مياه الشرب في البلاد، ما يجعل أي توقف واسع في هذه المنشآت تحديًا لمنظومة المياه.
ويرى خبراء إسرائيليون أن الظاهرة تمثل اختبارًا لقدرة منظومة المياه على التعامل مع اضطرابات بيئية غير متوقعة، خاصة مع المخاوف من زيادة تواتر بعض الظواهر البحرية نتيجة تغير المناخ وارتفاع درجات حرارة المياه، وهو ما قد يوفر ظروفًا أكثر ملاءمة لازدهار الطحالب.
ومع استمرار إغلاق بعض المحطات أو تشغيلها بقدرات جزئية، تظل المدة التي ستستغرقها الأزمة مرتبطة بتطور تركيز الطحالب ومستويات عكارة مياه البحر، إلى جانب نجاح التجارب التي تجريها السلطات في السيطرة على الظاهرة وحماية أنظمة الترشيح والتحلية.


