بقلم: علياء رمزي
الرسالة السادسة
لا تلوموني فيما لا أملك… فالقلب له سلطان
ثمة أشياء فينا خُلقت لتطيعنا…
وأشياء خُلقت وكأنها لم تعرف الطاعة يومًا.
نأمر أقدامنا فترحل،
ونأمر ألسنتنا فتصمت،
ونغلق الأبواب بأيدينا،
ونُخفي الرسائل،
ونتظاهر بالنسيان ببراعةٍ تُقنع العالم كله…
ثم يبقى في أعماقنا شيءٌ واحد لا يعترف بكل هذه الأوامر: القلب.
ذلك المتمرّد الصغير الذي يسكن صدورنا،
ولا نعرف على وجه اليقين:
أنحن نملكه… أم هو الذي يملكنا؟
وللقلب سلطانٌ عجيب.
لا يستأذن حين يميل،
ولا يستشير العقل حين يختار،
ولا يطلب منطقًا يشهد بحُسن اختياره.
قد يضع العقل أمامه ألف سببٍ للابتعاد،
فيضع القلب أمامها نبضةً واحدة…
فتختلّ كل الحسابات.
وقد تقابل إنسانًا تتوافر فيه كل أسباب الحب، فلا يهتز فيك شيء،
ويمر آخر لا يحمل من أسباب الاختيار إلا القليل…
فيأخذه القلب كله.
وهنا يقف الإنسان أمام نفسه حائرًا:
كيف استطاع شخصٌ واحد أن يعبر كل هذه المسافات،
وأن يصل إلى منطقةٍ في الروح لم نكن نعرف أصلًا أن لها بابًا؟
ربما لهذا كانت القلوب من أكثر أسرار الإنسان غموضًا.
فنحن نستطيع أن نختار مَن نصاحب،
ومَن نحادث،
ومَن نسمح له بالبقاء في حياتنا…
لكننا لا نملك دائمًا أن نختار مَن يُحدث في داخلنا ذلك الارتباك الجميل الذي نسميه حبًا.
تلك هي مملكة القلب.
أن يغيب شخصٌ عن عينيك… ولا يغيب عنك.
أن تمر الأيام، وتتغير الوجوه والأماكن والفصول،
ويبقى في داخلك صوتٌ تعرفه من بين ألف صوت.
أن تسمع اسمًا عابرًا،
فتستيقظ في صدرك مدينةٌ كاملة كنت تظن أنها نامت منذ زمن.
أن تتظاهر أمام العالم بأن الأمر أصبح عاديًا،
بينما تعرف أنت أن بعض البشر…
لا يصبحون عاديين أبدًا.
لكن سلطان القلب لا يعني أن نسلّمه مفاتيح حياتنا.
وهنا تكمن حكمة الإنسان ونضجه.
فقد لا أملك أن أمنع قلبي من الحب،
لكنني أملك ألّا أظلم باسم الحب.
قد لا أملك الشوق،
لكنني أملك ألّا أهدر كرامتي تحت رايته.
وقد يسكن إنسانٌ قلبي دون إذني،
لكن دخوله إلى حياتي وبقاءه فيها…
قرارٌ آخر.
وهذه المسافة بين ما يشعر به القلب وما يختاره الإنسان هي المسافة التي يُولد فيها النضج.
فلا تحاكم قلبًا لأنه أحب.
ولا تسخر من إنسان لأن صوته ارتبك أمام شخصٍ بعينه،
أو لأن عينيه خانتاه،
أو لأن قلبه احتفظ بإنسانٍ حاول عقله طويلًا أن ينساه.
فالإنسان قد ينتصر على أشياء كثيرة في حياته…
ثم يقف عاجزًا أمام نبضة.
وقد يكون شديدًا أمام العالم كله،
ثم يصبح هشًّا أمام صوتٍ واحد.
وقد يعرف الحقيقة كاملة،
ويفهم كل الأسباب،
ويرى النهاية بعينيه…
ويبقى القلب على حاله.
فليس كل ما يفهمه العقل يستطيع القلب أن يصدّقه،
وليس كل ما يقرره العقل يستطيع القلب أن ينفذه.
ولهذا…
رفقًا بالقلوب.
لا تلوموا الإنسان على إحساسٍ طرق بابه دون موعد،
ولكن اسألوه ماذا فعل بهذا الإحساس.
فالفضيلة ليست في ألا نحب،
وإنما في أن نعرف كيف نحب دون أن نظلم،
وكيف نشتاق دون أن نؤذي،
وكيف نحمل في صدورنا قلبًا جامحًا… دون أن نفقد بوصلتنا.
وأجمل ما في الإنسان أن يجتمع فيه:
قلبٌ يعرف كيف يشعر،
وعقلٌ يعرف كيف يرى،
وضميرٌ يعرف أين يقف.
أما القلب…
فاتركوا له شيئًا من غموضه.
فربما كان جماله كله في أننا، مهما تعلمنا ومهما نضجنا ومهما ظننا أننا أصبحنا سادة أنفسنا…
يبقى في أعماقنا مكانٌ صغير
لا سلطان لنا عليه.
مكانٌ إذا أحب…
أحب.
وإذا اشتاق…
اشتاق.
وإذا اختار إنسانًا من بين هذا العالم المزدحم،
وقف العقل أمامه طويلًا يسأله:
لماذا هو؟
فيصمت القلب…
لأن بعض الإجابات لا تُقال.
إنها فقط… تُحَسّ.
فلا تلوموني فيما لا أملك…
فالقلب له سلطان.
إذا كان للقلب سلطانٌ على ما نشعر به،
فلنا سلطانٌ أعظم على ما نقبل به.
فلا تلوموني فيما لا أملك…
ولكن حاسبوني فيما أختار.

