فكرة ان نتنياهو يريد فرض شروط بالقوة على حماس حتي تتخلى عن سلاحها وتسلمه هي محاولة منه لإيهام العالم وحكومته ومواطنيه ان غزة فيها جيش نظامي وبالتالي يعدل مفهوم الابادة والتصفية الي مفهوم الحرب اي بمعني ان هناك قوتين مكافأتين بينهما نزاع وهي محاولة منه لتصوير هذا الوهم وتصديقه وبالتالي الهروب من اي تبعات للمحكمة الدولية باعتباره مجرم حرب هو ورجال جيشه وحكومته التي قامت بابادة جماعية وتطهير عرقي وتصفية لغزة وفقا لكل الاعراف والقوانين والمفاهيم للتغطية علي خساراته العسكرية الفعليا والامنية والاستخبارتية وبالتالي لا يتم محاسبته على ذلك داخليا.
المرحلة الثانية انتهت بالفعل بعد إعلان نتنياهو عن عدم وجود تهدئة وهو ما يعني انه لا ويتكوف ولا ترامب قادرين علي وقف الحرب حيث قادت إسرائيل خلال أكثر من عامين سياسة ممنهجة لإقناع الغزيين والعالم أن لا مستقبل لهم داخل القطاع وأن الهجرة باتت الحل الوحيد، لكن هذه المرة، لن يتم التهجير كما حدث في نكبة 1948 أو نكسة 1967 فالعالم تغيّر وقواعد اللعبة تغيّرت أيضًا اليوم تُدار العملية بشكل ناعم وصامت بعيدا عن الإعلام تحت غطاء الأزمات الإنسانية والقصف المتقطع، وبآليات مدنية وليست عسكرية فقط.
ما يحدث الأن في غزة من التحدث عن دخول قوات دولية بري لقطاع غزة ليس لمحاربة حماس، لأن حماس لم تعد موجودة فعليًا. ما يُقال عن وجود قوة لحماس أو إطلاق صواريخ ليس سوى فرقعات سياسية وإعلامية. الهدف الحقيقي من العملية البرية هو تفريغ السكان من المناطق التي سيتم الهيمنة عليها بالكامل، في أكبر عملية تهجير قسري في التاريخ الحديث.
ما يحدث اليوم في قطاع غزة ليس له علاقة بقوة حماس أو ببعض النشاطات المحدودة لبعض الفصائل الفلسطينية حيث لا وجود حقيقي لمقاومة حقيقية تمتلك قدرة مؤثرة، فغزة سياسيًا وجغرافيًا انتهت وما تقوم به إسرائيل حاليًا هو تفكيك آخر ما تبقى من جسم مادي قابل للحياة في القطاع، تمهيدًا لإخراج السكان بطريقة مدروسة وطوعية نحو الخارج.
وللمرة الأولى بشكل مباشر يطلب جيش الاحتلال من سكان مناطق واسعة في رفح الإخلاء الفوري نحو “المواصي” – المنطقة التي يتم تجهيزها لتكون سجنًا مفتوحًا لا دخول ولا خروج فيما عرف بخطة “المنطقة الإنسانية” والتي صرح بها وزير الدفاع الإسرائيلي السابق كانس وانتقدها رئيس وزراء إسرائيل الإسبق ” إيهود أولمرت ” ووصفها بأنها ستكون أقرب لمعسكرات إعتقال كبيرة وهي نوع من انواع التطهير العرقي للفلسطينيين ووسيلة من وسائل التهجير القسري لهم.
هذا الإعلان لا يعني فقط تصعيدًا عسكريًا فحسب بل يعني أننا دخلنا رسميًا في المرحلة الثانية من خطة التهجير الجماعي عن طريق حصر الناس في منطقة محددة تحت السيطرة ومنع المساعدات عن باقي المناطق للضغط الإنساني والنفسي ثم تسويق ما يحدث لاحقًا على أنه “هجرة طوعية”في حين أنه تهجير قسري.
والخطير أن كل هذا يتم تحت عنوان محاربة حماس بينما الهدف الحقيقي هو تفريغ غزة من أهلها، خطوة خطوة من هنا يتضح ما حذرنا منه أصبح واقعًا ملموسًا رفح تُفرّغ، المواصي تُحشد، والحدود المصرية تترقب المرحلة القادمة بصمتٍ مريب.
لكن في المقابل سيدفع سكان غزة الثمن، لأن إسرائيل رغم معرفتها بأن 60% أو أكثر من الغزيين لا يريدون حماس لكنها مقتنعة بأن جميع الفلسطينيين يحملون بداخلهم العداء و الرغبة في الانتقام من إسرائيل وقد نشأوا على معاداتها وتوارث فكرة حق العودة. لهذا، لن تقبل إسرائيل بوجودهم في غزة ولا حتى في سيناء ، حتى لا يشكلوا بؤر انتقامية جديدة. وهذا ما يقلق مصر بأن تتخذ سيناء قاعدة فيما بعد للهجوم علي إسرائيل ثم تتخذها إسرائيل زريعة لمهاجمة سيناء.
أما موضوع أنهم يريدوا منطقة المواصى منطقة إنسانية وآمنة والدعوات انه كل سكان مدن غزة والوسطى ينزحوا الى المواصي فهي خدعة لانه لا يوجد منطقة آمنة فقد أصدر جيش الإحتلال أوامره بإخلاء معظم مناطق مدينة غزة والمناطق الغربية من خان يونس من السكان وحذر سكان عدة أحياء في مدينة غزة من عودة قواته للقتال بشدة ويدعوهم للانتقال بشكل فوري إلى منطقة المواصي وأوامر الإخلاء هذه دليل علي بداية نزوح جديد وإستمرارا لمخطط التهجير.
الهدف الأساسي هو تهجير الغزيين طوعًا وبصمت نحو دول العالم وليس نحو المحيط الإقليمي القريب حيث أن خيار توطينهم في مصر أو الأردن غير مطروح إلا لعدد محدود فقط بما لا يؤثر ، الخطة تتركز على تفتيت المجتمع الغزي وتوزيعه عالميًا مع منحهم جنسيات الدول المستقبلة مقابل إسقاط إقامتهم في غزة”.
هذه حرب تهدف إلى تفريغ غزة وتصفيتها ، تجويع سكانها، وتدمير ما تبقى منها في الوسط والجنوب. فالفلسطينيون في غزة يُسحقون ويموتون تحت القصف، والهدف في النهاية هو إجبارهم علي أن يخرجوا طوعاً عبر جميع المعابر الممكنة، سواء الإسرائيلية أو البرية أو البحرية، لكن إسرائيل لا تريدهم في سيناء أو في مكان واحد مثل مصر، بل تسعى إلى توزيعهم في دول العالم. الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، ستستقبل الأطفال منهم، وايضا أوروبا وجميع دول العالم وسيحملو جنسية الدول التي ستستقبلهم ليصبحوا مثل الأرمن الذين تشتتوا في أنحاء العالم بعد إبادة الأتراك لهم.
غزة في نظر إسرائيل ليست سوى قطاع معزول، ذو كثافة سكانية عالية أغلبها من اللاجئين، وله ثقافة خاصة، محكومة بأيديولوجية حماس السياسية وظروف اقتصادية مختلفة عن بقية فلسطين. لذا، القضاء على غزة بهذا الشكل المفزع ، من وجهة نظر إسرائيل لن يغير التركيبة الجغرافية أو الثقافية للشعب الفلسطيني فحسب ، لكنه سيمثل نقطة تحول كبيرة في طبيعة القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية وطنية إلى أزمة إنسانية تتعلق بالتهجير والمعاناة.
أما المخطط الأمريكي لإعادة إعمار غزة فهو أن تبدأ عملية إعادة الإعمار بالتزامن مع القصف والتهجير، وستتهافت العديد من الدول للمشاركة فيها لأنها فرصة استثمارية مربحة للغاية ومن بين هذه الدول أمريكا رقم واحد طبعا ثم يأتي بعدها الصين تركيا، الخليج وبعض الدول العربية، ودول أخرى.
كل هذه الدول سيكون لها شركات عالمية ستشتري حصصًا لها في غزة كمقرات لها وفق رؤية أمريكية فغزة بحاجة إلى ما لا يقل عن 100 مليار دولار لتتحول إلى “ريفيرا الشرق الأوسط”وفق رؤية ترامب وهذا المبلغ سيجذب استثمارات ضخمة، مما يجعل إعادة الإعمار مشروعًا عالميًا وليس مجرد جهود إنسانية.

