قناة السويس ومقايضتها بالديون

عصام أبوبكر 
عصام أبوبكر 

كتب: عصام أبوبكر

أثار في الأيام الأخيرة مقترح رجل الأعمال المصري حسن هيكل بإدراج قناة السويس ضمن ما أعلنه ووصفه بـ«المقايضة الكبرى»، والذي اقترح فيه نقل ملكية عدد من أصول الدولة، من بينها شركات عامة وأراضٍ وقناة السويس، مقابل تسوية الديون المحلية، ضجة واسعة، وردًّا حكوميًا رسميًا برفض المقترح، فضلًا عن رفض شعبي واسع لهذا المقترح، وغضب عارم وصل حتى إلى المطالبة بمحاكمة هيكل على تجرؤه على طرح مثل هذا المقترح.

أخبار متعلقة

الشرع.. وتنفيذ أجندة إسرائيل 

إسرائيل وتركيا بوادر حرب أم صراع نفوذ 

تفريغ غزة بين التهجير والإعمار

نهاية السلطة الفلسطينية وتصفية أوسلو

ولا أعتقد أن نفي الحكومة المصرية إدراج قناة السويس ضمن أي ترتيبات تستهدف تسوية ديون الدولة يعفيها من المسؤولية الكاملة عن مثل هذا المقترح. فمن وجهة نظري، أعتقد أن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها الدولة المصرية هو التعامل مع قناة السويس باعتبارها أصلًا اقتصاديًا عاديًا يمكن مقايضته بالديون أو نقل ملكيته. فالقناة ليست مجرد مصدر للإيرادات أو للعملة الأجنبية، وإنما هي ممر ملاحي استراتيجي، وأحد أهم الأصول الجيوسياسية والاقتصادية التي تمتلكها مصر.

وهنا يجب التمييز بين قناة السويس نفسها وبين برنامج التخارج من بعض الشركات والأصول المملوكة للدولة. فمصر تنفذ بالفعل سياسة لتقليص ملكية الدولة في بعض القطاعات غير الاستراتيجية وبيع حصص في شركات مملوكة لها، وقد اعتبر صندوق النقد الدولي عائدات التخارج أحد مصادر تمويل خفض الدين العام. لكن هذا لا يعني أن قناة السويس جزء من هذه الشركات، أو أن بيع حصص فيها مطروح كسياسة حكومية.

إن أهمية قناة السويس لا تُقاس فقط بحجم الإيرادات التي تحققها في سنة معينة. صحيح أن القناة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضربة اقتصادية كبيرة نتيجة اضطرابات البحر الأحمر وتحويل شركات الشحن جزءًا من حركة الملاحة إلى طريق رأس الرجاء الصالح. فقد هبطت إيراداتها في عام 2024 إلى نحو 3.99 مليارات دولار، مقارنة بنحو 10.25 مليارات دولار في عام 2023.

لكن التراجع في الإيرادات لا يعني أن قيمة القناة الاستراتيجية تراجعت. على العكس، فإن أهمية الممرات البحرية العالمية تجعل السيطرة على قناة السويس ورقة اقتصادية وجيوسياسية بالغة الأهمية لمصر، خصوصًا في ظل التحولات التي تشهدها طرق التجارة العالمية والتنافس على الممرات التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط.

ومن هنا، فإن معالجة أزمة الديون المصرية يجب ألا تقوم على التفريط في الأصول الاستراتيجية التي يمكن أن تشكل مصدرًا مستدامًا للقوة الاقتصادية والسياسية للدولة. فبيع أصل استراتيجي أو مقايضته بديون قائمة قد يوفر سيولة على المدى القصير، لكنه قد يحرم الدولة من عوائد مستقبلية ومن ورقة قوة تتجاوز قيمتها الحسابات المالية الآنية.

قناة السويس ليست مجرد أصل يمكن بيعه أو رهنه لسداد الدين؛ إنها جزء من القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدولة المصرية، والحفاظ على السيطرة المصرية عليها يجب أن يبقى خطًا أحمر.

والأجدى هو البحث عن حلول للمديونية من خلال إعادة هيكلة الدين، وخفض تكلفة خدمته، وزيادة الإيرادات الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وتحسين أداء الأصول غير الاستراتيجية، والقضاء على الفساد والفوارق الطبقية، وفتح الباب أمام الشباب لبناء مشروعات خاصة، وتقليل احتكارات الدولة والجيش للمشروعات الاقتصادية، بدلًا من المساس بالأصول التي تمثل ركائز أساسية للاقتصاد والأمن القومي المصري.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

الشرع.. وتنفيذ أجندة إسرائيل 

إسرائيل وتركيا بوادر حرب أم صراع نفوذ 

تفريغ غزة بين التهجير والإعمار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2