تحالفات الشرق الأوسط.. مظلة ردع أم حبر استراتيجي على الورق؟

ميساء المصري

د. ميساء المصري

وقّعت السعودية وباكستان وتركيا اتفاق دفاع مشترك يقوم، وفق ما أُعلن، على مبدأ أن أي عدوان على إحدى الدول الثلاث يُعد عدواناً على الأخرى، مع تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي والتدريب والتنسيق الدفاعي. لكن الاختبار الحقيقي لأي تحالف لا يبدأ عند توقيع الوثيقة، بل عند لحظة الخطر.

أخبار متعلقة

المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار

قناة السويس ومقايضتها بالديون

الممرات الاستراتيجية حين يلتقي النيل وتايوان.. وما وراء زيارة الرئيس الصيني لمصر؟

الحسيني عبدالله يكتب: الدبلوماسية الرقمية 

وهنا نحاول فهم إذا كانت السعودية قد تعرضت منذ ذلك الاتفاق لهجمات إيرانية وهجمات من جماعة أنصار الله دون أن يتحول الاتفاق إلى استجابة عسكرية باكستانية أو تركية مباشرة، فهل سيكون أي اتفاق ثلاثي سعودي–تركي–باكستاني مجرد نسخة موسعة من تحالفات سابقة كانت ورقية تكتكيية لمرحلة تنتهي فيها مصالح أحد الأطراف.

المسألة هنا لا تتعلق بعدد الدول الموقعة، بل بالمعنى الاستراتيجي للإلتزام، بل ربما أن عدد الدول الموقعة قد يزيد من فجوة الخلافات، وهنا نقول أنه من الجيد أن مصر والأردن ليستا ضمن إطار التحالف.

تاريخ التحالفات الدولية يعلمنا أن التحالف الدفاعي الفاعل يقوم أساساً على إدراك الدول الثلاث وجود تهديد مشترك، وعلى استعداد سياسي وعسكري لتحمل كلفة الدفاع عن الحليف، وهذه هي أولى نقاط الضعف في المشروع الثلاثيوخير دليل ضرب اسرائيل للقوات التركية في سوريا.

فالأولويات الأمنية للدول الثلاث ليست متطابقة بل متباعدة ، باكستان تنظر إلى الهند باعتبارها التحدي الأمني المركزي، إلى جانب أفغانستان وبعض التهديدات الانفصالية، وتركيا تضع الحركات الكردية وملفات سوريا وشرق المتوسط والقوقاز في مقدمة حساباتها، فيما يتمحور القلق السعودي حول إيران والصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات القادمة من اليمن.

الخصوم مختلفة و يمكن أن تتحول المواجهة إلى عقيدة دفاعية مشتركة، وهذه ليست ملاحظة تفصيلية، بل عقدة الاتفاق كلها، فتركيا لا تريد حرباً مع إيران أو اسرائيل، وباكستان تربطها بإيران علاقات أمنية وجغرافية واقتصادية، فيما تحاول السعودية منذ سنوات بناء معادلة أكثر توازناً مع طهران، بدلاً من الانخراط في مواجهة مفتوحة معها.

أنقرة والرياض الآن وإن بدرجات مختلفة، تدركان أن المظلة الأمريكية لم تعد ضمانة كافية لكل السيناريوهات، لأن طريقة إدارتها للمنطقة أصبحت أكثر براغماتية وتقلباً، ولأن أولوياتها العالمية لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، لذلك التحالف الثلاثي لن يكون محاولة لبناء طبقة أمنية إقليمية إضافية فوق المظلة الأمريكية، و لا بديلاً عنها.

نعم هنالك التكامل الوظيفيبين الدول الثلاث ، المال السعودي، والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية التركية، والخبرة العسكرية والقدرات الاستراتيجية الباكستانية. لكن التكامل لا يعني بالضرورة التحالف وهو ما نشاهده في التوترات الجيوسياسية الحاصلة الآن.

فالتحالف الحقيقي يحتاج إلى قيادة استراتيجية مشتركة، وتحديد للتهديد، وقواعد اشتباك، وآليات لاتخاذ القرار، والتزام واضح عند وقوع العدوان. وهذه الشروط ما زالت غير مكتملة.

بل إن التناقضات الخارجية أكثر تعقيداً. باكستان مرتبطة استراتيجياً بالصين، وتركيا عضو في الناتو، والسعودية ما تزال شريكاً أمنياً رئيسياً للولايات المتحدة. فكيف يمكن بناء عقيدة دفاعية مشتركة بين دول ترتبط بثلاث دوائر استراتيجية مختلفة.

ماذا سيحدث إذا اندلعت حرب اسرائيلية – تركية ؟ هل ستذهب السعودية والباكستان إلى مواجهة اسرائيل ؟ وماذا لو تعرضت تركيا لصراع واسع مع حزب العمال الكردستاني وامتداداته؟ هل سترسل السعودية وباكستان قواتها؟ وإذا تعرضت السعودية لهجوم إيراني مباشر، هل تتحول تركيا وباكستان إلى طرفين في حرب إقليمية مفتوحة؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد قيمة الاتفاق، لا البيانات السياسية.

ولهذا فإن الأرجح أن الاتفاق، هو اتفاق تحوط استراتيجي أكثر منه حلف حرب، أي تعاون في التسليح والتدريب والاستخبارات والصناعات الدفاعية والمناورات، ربما يحتاج ل5 سنوات حتى يكتمل ..مع ترك مساحة واسعة للقرار السياسي لكل دولة عند اندلاع أزمة حقيقية.

الشرق الأوسط الآن أقرب إلى إعادة توزيع للخيارات، السعودية توسع هامشها الأمني، وتركيا تعزز موقعها كقوة إقليمية، وباكستان تبحث عن عمق استراتيجي واقتصادي جديد.

أما إسرائيل، فقد وجهت رسالة لهذا التقارب و لن تتعامل معه بالضرورة كتحالف عسكري معادٍ ما لم يتحول إلى مؤسسات قيادة وسيطرة وتخطيط وعمليات مشتركة وهو أمر ينفذ على المدى الطويل.

المشهد الحقيقي أعمق من ذلك. قد لا يكون هذا التحالف بداية شرق أوسط جديد، لكنه بالتأكيد علامة على أن الشرق الأوسط القديم لم يعد كافياً لحماية مصالح دوله.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار

قناة السويس ومقايضتها بالديون

الممرات الاستراتيجية حين يلتقي النيل وتايوان.. وما وراء زيارة الرئيس الصيني لمصر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2