بقلم/ سهام فودة
لم يعد النصب يحتاج إلى شخص يقف أمامك ليقنعك بصفقة وهمية، أو متجر صغير يخفي بضاعته خلف واجهة لامعة.. اليوم يمكن أن تبدأ الحكاية بصورة جميلة على شاشة الهاتف، وتنتهي بخسارة المال، أو منتج لا يشبه الصورة، أو حجز لمكان غير موجود، أو خدمة تدفع ثمنها مرتين: مرة من جيبك، ومرة من أعصابك.
في العالم الرقمي، أصبح المحتال أكثر ذكاءً، وأصبحت أدواته أكثر إقناعًا؛ صورة مفبركة، إعلان احترافي، حساب يحمل آلاف المتابعين، تعليقات تبدو حقيقية، وعرض بسعر لا يُقاوم.. وكل ذلك قد يكون كافيًا لدفع شخص إلى تحويل أمواله قبل أن يسأل السؤال الأهم: من يقف خلف هذا الإعلان؟.
من هنا تأتي أهمية جروب «بلاك ليست»، الذي يقدم نموذجًا مختلفًا لفكرة التوعية المجتمعية؛ فهو لا يكتفي بعرض التجارب، وإنما يلفت الانتباه إلى ما قد يحدث خلف الشاشة، ويمنح الآخرين فرصة للتوقف والتفكير قبل الوقوع في التجربة نفسها.
فالشراء عبر الإنترنت ليس المشكلة، وإنما المشكلة أن نشتري بلا تحقق.
والاحتيال لم يعد مقتصرًا على الملابس أو الأجهزة أو المنتجات المنزلية، وإنما امتد إلى المطاعم والفنادق والشاليهات والشقق والخدمات المختلفة. صورة لشاليه فاخر قد تكون مأخوذة من مكان آخر، وفيديو لمطعم قد لا يكون له علاقة بالحساب الذي يعلن عنه، وصور فندق قد تُستخدم لجذب العملاء إلى مكان مختلف تمامًا عن الحقيقة.
وقد يدفع الشخص مقدم الحجز، ثم يكتشف أن المكان لا يطابق الصور، أو أن السعر المعلن لم يعد موجودًا، أو أن الشخص الذي تعامل معه اختفى بعد تحويل الأموال.
وهنا تصبح الصورة شريكًا في الخداع عندما تُستخدم بعيدًا عن الحقيقة.
لكن هناك نوعًا آخر من التجارب لا يقل أهمية عن النصب المباشر، وهو غياب الاحترافية وسوء المعاملة.
فقد يدفع العميل أموالًا في مركز تجميل أو صالون أو عيادة خدمات تجميلية، اعتمادًا على صور النتائج المنشورة على مواقع التواصل، ثم يفاجأ بمستوى خدمة مختلف تمامًا، أو أسلوب تعامل غير لائق، أو عدم التزام بالمواعيد، أو عدم وضوح في الأسعار، أو خدمة لا تتناسب مع ما تم الاتفاق عليه.
وأحيانًا تكون المشكلة أكبر من مجرد «خدمة لم تعجبني»؛ فقد تكون هناك ممارسات غير احترافية، أو تجاهل لشكاوى العملاء، أو محاولة تحميل العميل مسؤولية نتيجة لم يكن طرفًا في تحديد تفاصيلها.
وهنا أيضًا يصبح نشر التجربة الموثقة وسيلة مهمة للتوعية، ليس بهدف الانتقام أو التشهير، وإنما لمنح الآخرين فرصة لاتخاذ قرار أكثر وعيًا.
فالعميل من حقه أن يعرف مستوى الخدمة التي سيحصل عليها، كما أن صاحب المكان من حقه ألا يتعرض لاتهام بلا دليل.
ولهذا يجب أن يكون الفاصل واضحًا بين النقد المسؤول والتشهير.
النقد المسؤول يستند إلى تجربة حقيقية، ويعرض الوقائع كما حدثت، ويفضل أن يكون مدعومًا بما يثبتها، أما إطلاق الاتهامات جزافًا فقد يحول وسيلة حماية المجتمع إلى أداة ظلم.
وهنا تكمن قوة أي مجتمع إلكتروني ناجح: ليس في كثرة المنشورات، وإنما في قيمة المعلومة ودقتها.
إن تجربة شخص واحد قد توفر على عشرات الأشخاص خسارة أموالهم، وتحذير واحد موثق قد يمنع حجزًا فاشلًا، أو شراء منتج مغشوش، أو التعامل مع جهة غير ملتزمة.
والأهم أن هذه الجروبات تعيد تعريف مفهوم «التجربة الشخصية». فبدلًا من أن تبقى التجربة داخل هاتف صاحبها، تتحول إلى معرفة عامة يستفيد منها الآخرون.
المحتال بطبيعته يحب الضحية المنفردة؛ لا يريد أن يتحدث الناس، ولا يريد أن تتبادل التجارب، ولا يريد أن يسأل العميل قبل الدفع.
أما الوعي، فيبدأ عندما يقول شخص: «أنا جربت.. ودي تجربتي، خليك واعي».
لكن لا ينبغي أن يتحول الأمر إلى حالة من الشك المرضي في كل شيء. فليس كل إعلان كاذبًا، وليس كل مركز سيئًا، وليس كل منتج محلي أو إلكتروني غير موثوق. هناك آلاف المشروعات والأماكن المحترمة التي تحافظ على عملائها وتبني سمعتها بالالتزام والجودة.
ولهذا فإن الهدف الحقيقي ليس «حرق» أحد، وإنما فرز الجيد من السيئ بالمعلومة والتجربة والدليل.
في المقابل، على أصحاب الأعمال أن يدركوا أن عصر «العميل الذي ينسى» انتهى. تجربة العميل أصبحت جزءًا من السمعة، والسمعة أصبحت جزءًا من رأس المال.
قد تنفق شركة آلاف الجنيهات على الإعلانات، لكن تجربة سيئة واحدة موثقة يمكن أن تصل إلى آلاف الأشخاص في ساعات. والعكس صحيح؛ فالعميل الذي يحصل على خدمة محترمة قد يصبح أفضل دعاية مجانية للمكان.
ومن هنا فإن «بلاك ليست» يطرح قضية أكبر من مجرد النصب الإلكتروني؛ إنه يفتح الباب أمام سؤال مهم: كيف نصنع سوقًا أكثر احترامًا للمستهلك وأكثر التزامًا من مقدم الخدمة؟
الإجابة تبدأ من الطرفين.
المستهلك عليه أن يتحقق قبل الدفع، وألا ينجرف وراء السعر المبالغ في انخفاضه، وأن يبحث عن آراء وتجارب متعددة، وألا يحول أموالًا لمجرد صورة أو إعلان.
وصاحب الخدمة عليه أن يدرك أن الاحترافية ليست ديكورًا ولا كاميرا جيدة ولا صفحة مليئة بالمتابعين؛ الاحترافية تبدأ من احترام العميل، والوضوح في الأسعار، والالتزام بما تم الإعلان عنه، وحسن التعامل، وتحمل المسؤولية عند حدوث خطأ.
وفي النهاية، لم يعد الوعي الرقمي رفاهية.
قبل أن تشتري.. ابحث.
قبل أن تحجز.. تحقق.
قبل أن تحول أموالك.. اسأل.
وقبل أن تحكم على أحد.. تأكد من الحقيقة.
ففي زمن أصبحت فيه الصورة قابلة للتزييف، والتقييمات قابلة للتصنيع، والحسابات قابلة للانتحال، لم يعد السؤال: «العرض حلو؟»
السؤال الأهم هو:
«هل العرض حقيقي؟ وهل الجهة التي أمامي تستحق ثقتي؟»
وربما تكون أفضل خدمة يقدمها جروب مثل «بلاك ليست» ليست أن يخبرك بمن تتعامل معه، وإنما أن يعلمك كيف تفكر قبل أن تتعامل.
لأن أخطر عملية نصب ليست التي تخسر فيها أموالك فقط، وإنما التي تجعلك تكرر الخطأ نفسه لأنك لم تتعلم من تجربة غيرك.
وفي عالم رقمي مفتوح، ربما يكون الوعي هو خط الدفاع الأول.. والتجربة الصادقة هي جرس الإنذار.. والمعلومة الموثقة قد تكون أحيانًا أغلى من أي إعلان.

