كتب: رضا طاهر الفقي
في فجر 24 يوليو 1954، استيقظت الكنيسة القبطية على خبر صادم؛ إذ اقتحمت مجموعة مسلحة من «جماعة الأمة القبطية» المقر البابوي بالعباسية، واختطفت البابا يوساب الثاني، البابا الـ115، ونقلته إلى دير بوادي النطرون لإجباره على التنازل عن الكرسي البابوي.
وُلد يوساب إلياس عام 1856 في قنا، وترهّب بدير المحرق، وانتُخب بابا في 31 مايو 1946 عن عمر 81 عامًا، وعُرف بالزهد والورع الشديدين، لكنه كان ضعيفًا إداريًا، وجاءت بطريركيته بعد الحرب العالمية الثانية، ومعها ثورة 1952، وكان على الكنيسة أن تواكب التغيير، لكن كِبَر سنه جعله يعتمد على سكرتيره الخاص، ملك جرجس، وهو ما فتح باب الأزمة.
في الساعة الرابعة فجرًا، دخل 5 أشخاص، بقيادة المحامي إبراهيم فهمي هلال، إلى المقر البابوي. وقيدوا البابا، البالغ من العمر 89 عامًا، ووضعوه في سيارة، وتوجهوا به إلى دير الأنبا بيشوي.
وهناك أرغموه على التوقيع على 3 قرارات: التنازل عن الكرسي، وتفويض مطران أسيوط بإدارة الكنيسة، وتعيين قس من الجماعة سكرتيرًا للبطريركية.
وبعد 48 ساعة، داهمت الشرطة الدير، وألقت القبض على الخاطفين و37 من أتباعهم، وأعادت البابا.
تأسست «جماعة الأمة القبطية» عام 1952 كحركة إصلاحية، تحت شعار «الإنجيل دستورنا». وكان هدفها محاربة الفساد الإداري داخل الكنيسة وإحياء اللغة القبطية.
وكان السبب المباشر للأزمة نفوذ «ملك جرجس»، الذي اتهمه المطارنة باستغلال ضعف البابا في بيع الرتب الكهنوتية وتزوير الخطابات. واشتكى المجمع منه كثيرًا، لكن البابا رفض عزله. فقررت الجماعة، المتأثرة بنموذج التنظيم الحركي للإخوان، أن تطهر الكنيسة بالقوة.
حُكم على المتهمين بالسجن 7 سنوات، لكن البابا عفا عنهم، واستمرت الأزمة؛ ففي سبتمبر 1955، تعرض البابا لمحاولة اغتيال فاشلة.
وبعدها بأسبوع، اتخذ المجمع المقدس والمجلس الملي قرارًا تاريخيًا بعزل البابا، بسبب العجز عن الإدارة، وتشكيل لجنة ثلاثية لإدارة الكنيسة.
ونفذت الحكومة القرار، ونقلت البابا إلى الإقامة الجبرية في دير المحرق، حيث توفي في 14 نوفمبر 1956.
وظل الكرسي شاغرًا 3 سنوات، حتى انتخاب البابا كيرلس السادس عام 1959، ومعه بدأ عصر جديد، جرى خلاله تفعيل دور المجمع وتقليص نفوذ السكرتارية.
لم يكن اختطاف البابا يوساب جريمة عادية، بل كان نقطة تحول. فداخل الكنيسة، انتهى عصر «البابا الفرد»، وبدأ عصر المؤسسات. وفي العلاقة مع الدولة، تأكد أن الشأن الكنسي يصبح شأنًا عامًا إذا مسّ النظام.
وفي الفكر القبطي، ظهر أول تيار منظم يربط بين الفساد الإداري وضعف المؤسسة، وبعد 70 عامًا، تظل واقعة 24 يوليو درسًا في خطورة الخلط بين الغاية والوسيلة، وفي أهمية أن تحمي المؤسسة قادتها من أنفسهم.

