أوسلو بعد ثلاثة عقود

منى ابو حمدية
منى ابو حمدية

بقلم: د. منى ابو حمدية 

في الثالث عشر من أيلول من كل عام، يستعيد الفلسطينيون ذكرى توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، إحدى المحطات المفصلية في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر. لم تكن أوسلو مجرد وثيقة وقّعت وانتهى أثرها، وإنما شكلت انتقالاً في طبيعة حضور القضية الفلسطينية، من قضية يجري تناولها اساساً في إطار الاحتلال واللجوء والشتات، إلى مسار سياسي اعترف بوجود شعب فلسطيني له قيادة ومؤسسات وحق في تقرير مصيره.

أخبار متعلقة

حكايات مصيرية

سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

الجوع العاطفي

فتاة الصف.. حين تصنع الشاشاتُ القتلةَ !

جاءت الاتفاقية في ظروف دولية وإقليمية شديدة التعقيد، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبروز الولايات المتحدة قوة رئيسية في النظام الدولي، وفي أعقاب مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 والانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي. وفي ذلك السياق، بدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، أفضت إلى إعلان المبادئ الموقع في واشنطن في الثالث عشر من أيلول 1993.

نص إعلان المبادئ على إقامة سلطة حكم ذاتي فلسطينية انتقالية منتخبة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإجراء انتخابات فلسطينية، وإنشاء مجلس فلسطيني يتولى الصلاحيات التي يجري نقلها تدريجياً. كما حدد مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، على أن تجرى خلالها مفاوضات حول قضايا الحل النهائي، وفي مقدمتها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والأمن.

ومن هنا جاءت إحدى أبرز نتائج أوسلو، وهي نشوء بنية سياسية ومؤسسات وطنية فلسطينية على الأرض. فقد تأسست السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وتطورت مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والإدارية، وأصبح للفلسطينيين إطار مؤسساتي يدير جانباً من شؤون حياتهم اليومية ويمثلهم في العلاقات السياسية والدبلوماسية.

لكن أوسلو لم تحقق الدولة الفلسطينية، ولم تنهِ الاحتلال، كما أن القضايا الأساسية التي يفترض أن تعالجها مفاوضات الحل النهائي بقيت معلقة. ولهذا ظل الاتفاق موضع نقاش وخلاف واسع بين الفلسطينيين، بين من رأى فيه محطة أساسية في بناء المؤسسات الوطنية وتثبيت الشخصية السياسية الفلسطينية، ومن اعتبر أن المرحلة الانتقالية طالت من دون الوصول إلى التسوية التي كان يفترض أن تنهيها.

ومع ذلك، فإن قراءة أوسلو تحتاج إلى التمييز بين الاتفاق نفسه وبين ما آلت إليه العملية السياسية لاحقاً. فوجود السلطة الوطنية ومؤسساتها أصبح حقيقة سياسية وقانونية لا يمكن تجاهلها، كما أن الحضور الفلسطيني في المؤسسات والمنظمات الدولية اتسع بصورة كبيرة خلال العقود التي تلت الاتفاق.

لقد ساهمت المرحلة التي أعقبت أوسلو في انتقال الفلسطينيين إلى مساحة أوسع من العمل الدبلوماسي والقانوني الدولي، وصولًا إلى عضوية فلسطين في منظمات دولية وانضمامها إلى اتفاقيات ومعاهدات دولية، وتعزيز حضورها في الأمم المتحدة واليونسكو وغيرها. وهذه التحولات لم تكن منفصلة عن تطور البنية السياسية والمؤسساتية الفلسطينية التي نشأت في مرحلة أوسلو.

اليوم، وبعد ثلاثة عقود على توقيع الاتفاق، وبعد نحو ثلاث سنوات على الحرب التي اندلعت في قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تبدو قراءة أوسلو مرتبطة بصورة مباشرة بالواقع الفلسطيني الراهن. فقد تعرض قطاع غزة لدمار واسع وخسائر بشرية غير مسبوقة، فيما شهدت الضفة الغربية تصعيدا عسكريا واستيطانيا واقتصادياً متزايدا، الأمر الذي جعل حماية المجتمع الفلسطيني والحفاظ على تماسكه الداخلي مسألة تتجاوز الخلافات السياسية المعتادة.

ومن منظور السلطة الوطنية الفلسطينية، كان الحفاظ على الأمن الداخلي ومنع انتقال الصراع إلى اقتتال فلسطيني في الضفة الغربية جزءاً من مسؤوليتها السياسية والأمنية. وقد اتخذت السلطة خلال السنوات الأخيرة إجراءات أمنية في عدد من مناطق الضفة، ولا سيما في جنين، وقالت إن هدفها يتمثل في فرض سيادة القانون ومنع الفوضى وحماية المواطنين والمؤسسات. وفي المقابل، تعرضت هذه الإجراءات لانتقادات من قوى وشخصيات فلسطينية بسبب أساليب تنفيذها وبعض نتائجها.

لكن بعيداً عن الاصطفافات السياسية، فإن حقن الدم الفلسطيني ومنع الاقتتال الداخلي يظلان هدفين لا يمكن التقليل من أهميتهما، خصوصا في مرحلة يتعرض فيها الفلسطينيون اصلا لضغط عسكري واستيطاني واقتصادي متواصل. فالضفة الغربية ليست بحاجة إلى جبهة فلسطينية داخلية تستنزف المجتمع وتضاعف أزماته، وإنما إلى حماية الإنسان والمؤسسات والقدرة على الصمود في مواجهة الاحتلال والاستيطان.

ومن هنا يمكن فهم تمسك السلطة الوطنية بالحفاظ على مؤسساتها وبمنع الفوضى بوصفه جزءا من رؤيتها للحفاظ على المشروع الوطني. وقد يختلف الفلسطينيون حول السياسات والأساليب، وهذا حق سياسي مشروع، لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع داخلي يهدد المجتمع الفلسطيني ويفتح الباب أمام مزيد من التفكك.

إن حماية الدم الفلسطيني في الضفة الغربية لا تعني التخلي عن الحقوق الوطنية، ولا تعني القبول بالاحتلال أو الاستيطان. على العكس، فإن الحفاظ على المجتمع الفلسطيني ومؤسساته ووحدته الداخلية يوفر قاعدة ضرورية لمواصلة النضال السياسي والقانوني والدبلوماسي من أجل إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية.

وبعد ثلاثة عقود، تبدو أوسلو أقرب إلى مرحلة تأسيسية منها إلى نهاية لمسار سياسي. فقد أسست سلطة وطنية ومؤسسات فلسطينية، ووسعت مساحة الحضور السياسي والدبلوماسي الفلسطيني، لكنها لم تنجح في الوصول إلى الدولة المستقلة التي كان يفترض أن تكون نتيجة للمفاوضات.

ولهذا فإن استحضار أوسلو اليوم لا ينبغي أن يكون مناسبة لتكرار المواقف ذاتها، وإنما فرصة لقراءة التجربة بواقعية. ما تحقق يجب الحفاظ عليه، وما تعثر يحتاج إلى مراجعة، وما تغير في البيئة الفلسطينية والإقليمية والدولية يستدعي تطوير أدوات العمل الوطني.

لقد أثبتت العقود الثلاثة أن الهوية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها، وأن الشعب الفلسطيني أصبح حاضراً في النظام الدولي بصفته شعباً له حقوق سياسية وقانونية، وليس مجرد قضية إنسانية أو ملف لاجئين. كما أثبتت أن بناء المؤسسات الوطنية ضرورة للحفاظ على المجتمع وعلى المشروع السياسي، حتى في ظل غياب السيادة الكاملة.

وبعد ثلاث سنوات من حرب أرهقت الفلسطينيين في غزة والضفة، تصبح مسؤولية حماية الإنسان الفلسطيني أكثر إلحاحاً. فالمشروع الوطني لا يُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بالحفاظ على الأرض والهوية والمؤسسات، ومنع الاقتتال الداخلي، وتعزيز صمود الناس، ومواصلة العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني من أجل الحقوق الوطنية.

هذه هي الزاوية التي تجعل أوسلو حاضرة في المشهد الفلسطيني حتى اليوم. فالاتفاقية التي وقعت قبل ثلاثة عقود لم تحسم الصراع، لكنها تركت وراءها واقعا سياسيا ومؤسساتياً أصبح جزءا من التاريخ الفلسطيني المعاصر. ومن هذا الواقع ينبغي أن ينطلق النقاش حول المستقبل، لا من الرغبة في محو الماضي ولا من التعامل معه باعتباره نهاية الطريق.

أوسلو ليست كل التاريخ الفلسطيني، لكنها جزء منه. والمرحلة المقبلة تحتاج إلى الحفاظ على ما يخدم وحدة الشعب الفلسطيني ومؤسساته، وتصويب ما يحتاج إلى تصويب، وحماية الدم الفلسطيني من الانقسام والاقتتال، مع استمرار السعي نحو إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

حكايات مصيرية

سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

الجوع العاطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2