تبدو القمة المصرية السعودية في القاهرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مختلفة في توقيتها ودلالاتها.
القاهرة تستقبل بن سلمان بينما المنطقة تتحرك فوق أكثر من خط نار في الوقت نفسه، الخليج ومضيق هرمز، اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، والحرب الممتدة بتداعياتها على أمن الطاقة والملاحة، إلى جانب صراع النفوذ الإقليمي والدولي الذي يعيد ترتيب التحالفات والحسابات.
واللافت أن زيارة بن سلمان تأتي بعد اتصال هاتفي جمعه بالرئيس السيسي قبل أيام، تناول تطورات الأوضاع الإقليمية وضرورة تكثيف التنسيق بين البلدين، ثم تأتي بعد لقاء ولي العهد السعودي بقائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر في جدة، لبحث المستجدات الإقليمية والعلاقات الدفاعية بين الرياض وواشنطن.
وهنا لا يصبح السؤال: ماذا ستبحث القاهرة والرياض؟ وإنما السؤال هو
:هل تبحث القاهرة والرياض عن طريقة لإدارة الأزمة الحالية فقط، أم أن القمة قد تكون بداية نقاش أوسع حول شكل الأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة؟
مؤكد أن الخليج وهرمز وأمن السعودية في قلب المباحثات،بالنسبة إلى الرياض، لم يعد أمن الخليج مسألة مرتبطة بحدودها الجغرافية فقط، ، فالتهديدات التي تظهر في مضيق هرمز، وتداعيات الصراع الإيراني الأمريكي، والتهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة، واحتمالات انتقال التصعيد إلى منشآت الطاقة أو طرق الملاحة، كلها جعلت الأمن الخليجي جزءًا من معادلة إقليمية أوسع.
ومضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي،
إنه أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل فيه لا ينعكس على دول الخليج وحدها، وإنما على أسعار الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
ولهذا فإن السعودية، وهي واحدة من أكبر القوى العربية اقتصاديًا وسياسيًا ، تجد نفسها أمام سؤال أمني بالغ التعقيد: إلى أي مدى تستطيع الاعتماد على المظلة الأمريكية إذا اتسعت الحرب، وإلى أي مدى تستطيع في الوقت نفسه أن تبحث عن ترتيبات أمنية إقليمية لا تجعلها رهينة لأي قوة خارجية؟
وهنا يصبح موقف القاهرة مهمًا،
فمصر أعلنت مرارًا أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي العربي، وأنها لن تتعامل مع أي تهديد يستهدف الدول العربية باعتباره أزمة بعيدة عنها.
وليس هذا موقفًا سياسيًا فقط، فالتداخل بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر وقناة السويس يجعل مصر معنية مباشرة بأي اضطراب واسع في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التنسيق المصري السعودي في هذه اللحظة.
من هرمز إلى باب المندب.. خريطة واحدة للأمن
إذا كان مضيق هرمز يمثل البوابة الشرقية للخليج، فإن باب المندب يمثل إحدى البوابات الرئيسية للبحر الأحمر، ومن ثم فإن أي اضطراب في أحدهما يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الآخر.
وهنا تلتقي المصالح المصرية والسعودية بصورة أكثر وضوحًا،
السعودية تطل على البحر الأحمر، ومصر تتحكم في المدخل الشمالي لهذا البحر من خلال قناة السويس، بينما يمثل باب المندب نقطة الاختناق الجنوبية التي تمر عبرها حركة التجارة والطاقة المتجهة من وإلى قناة السويس.
وبالتالي فإن أمن البحر الأحمر ليس ملفًا سعوديًا منفردًا، ولا ملفًا مصريًا منفردًا،إنه ملف أمني مشترك، وأي تصعيد طويل في اليمن، أو تهديد للملاحة في باب المندب، أو توسع في استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة ضد السفن، لا يهدد حركة التجارة العالمية فقط، وإنما يضع قناة السويس نفسها داخل دائرة التأثير المباشر.
وهذه حقيقة تجعل القاهرة والرياض أمام مصلحة استراتيجية واحدة:
إبقاء البحر الأحمر خارج دائرة الحرب المفتوحة،لكن المشكلة أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري،لقد تحول تدريجيًا إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي.
قوى كبرى تتحرك عسكريًا، وقوى إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها، وميليشيات مسلحة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، ودول عربية مطلة على البحر تواجه تحديات أمنية متزايدة.
وفي هذه البيئة، يصبح السؤال أكبر من حماية سفينة أو تأمين ممر بحري.
والسؤال هو:
من يمتلك القدرة على حماية البحر الأحمر عندما تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى مع أمن الدول العربية؟
وهنا تبرز قيمة الشراكة المصرية السعودية،فالقاهرة تملك ثقلًا عسكريًا واستراتيجيًا وجغرافيًا، والرياض تملك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وإقليميًا، وكلتاهما تقعان في قلب معادلة البحر الأحمر.
لكن هذه ليست نهاية القصة..بل ربما تكون بدايتها،ومن إدارة الخطر إلى بناء مظلة عربية
والدائرة الأكثر أهمية في القمة ليست هرمز وحده، ولا باب المندب وحده،
إنها مستقبل الأمن العربي نفسه،
فالسنوات الأخيرة كشفت حقيقة صعبة: كلما اندلعت أزمة إقليمية كبرى، سارعت الدول العربية إلى البحث عن مظلة دولية أو تحالف خارجي يوفر لها قدرًا من الحماية.
والولايات المتحدة تظل القوة العسكرية الأكبر حضورًا في الخليج، لكن الاعتماد على القوة الخارجية وحدها يضع الأمن العربي في النهاية تحت حسابات دولة أخرى، مهما كانت طبيعة الشراكة معها.
وفي المقابل، فإن فكرة الأمن العربي الجماعي ظلت لفترات طويلة أكبر من قدرة النظام العربي على تحويلها إلى آليات عملية.
وهنا تظهر أهمية التحرك المصري،
القاهرة لا تتحدث فقط عن التضامن العربي، وإنما تطرح منذ فترة الحاجة إلى تطوير ترتيبات أمنية ودفاعية عربية، والاستفادة من الأطر القائمة لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، وبناء قدرات عربية تستطيع التعامل مع الأزمات والتهديدات.
وهذه الفكرة تصبح أكثر إلحاحًا في اللحظة الراهنة،فالمطلوب ليس بالضرورة إنشاء حلف عسكري عربي جديد بين ليلة وضحاها.
الأمر يمكن أن يبدأ من شيء أكثر واقعية:
تبادل المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، والتنسيق في الدفاع الجوي والصاروخي، وأمن الملاحة، ومواجهة الطائرات المسيرة، وحماية المنشآت الحيوية، ثم تطوير آليات سياسية عربية تمنع الأزمات من التحول إلى حروب.
وهنا يمكن أن تصبح القاهرة والرياض مركز ثقل لهذه المنظومة،
ليس باعتبارهما «قيادة مشتركة للشرق الأوسط»، فهذا استنتاج لا تدعمه المعطيات المعلنة، وإنما باعتبارهما دولتين عربيتين تملكان من عناصر القوة ما يجعلهما قادرتين على الدفع باتجاه إعادة بناء مفهوم الأمن العربي.
لماذا القاهرة الآن؟ قد يكون السؤال الأكثر دلالة:لماذا يأتي محمد بن سلمان إلى القاهرة في هذه اللحظة تحديدًا؟
الإجابة لا يمكن اختزالها في العلاقات الاقتصادية أو السياسية الثنائية، رغم أهميتها،فالسعودية تحتاج إلى مصر عندما يتعلق الأمر بالبحر الأحمر، والأمن العربي، والملف الفلسطيني، والتوازنات الإقليمية.
ومصر تحتاج إلى السعودية عندما يتعلق الأمر باستقرار الخليج، والطاقة، والاستثمار، والتنسيق السياسي العربي، ومواجهة تداعيات الصراعات الإقليمية.
لكن الأهم أن البلدين يواجهان الآن خطرًا مشتركًا:اتساع رقعة الفوضى الأمنية من منطقة إلى أخرى،وهرمز مرتبط بالخليج،والخليج مرتبط باليمن،واليمن مرتبط بباب المندب،
وباب المندب مرتبط بالبحر الأحمر،
والبحر الأحمر مرتبط بقناة السويس،
وقناة السويس مرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي المصري وحركة التجارة العالمية.
ولهذا فإن محاولة فصل هذه الملفات عن بعضها لم تعد منطقية استراتيجيًا،
الخريطة أصبحت واحدة.
والسؤال الذي ينتظر الإجابة
قد تحمل القمة تفاهمات اقتصادية واستثمارية وسياسية، وقد تشهد مواقف مشتركة تجاه التطورات الإقليمية.
لكن ما يهم في القراءة الاستراتيجية هو ما إذا كانت القاهرة والرياض تنتقلان من التنسيق في مواجهة الأزمات إلى التفكير المشترك في منع الأزمات المقبلة، وهذه نقلة مختلفة تمامًا،فإدارة الأزمة تعني التعامل مع الخطر عندما يظهر.
أما بناء منظومة أمنية عربية يعني محاولة منع الخطر قبل أن يتحول إلى حرب،وهذا تحديدًا ما تحتاجه المنطقة.
ولا تحتاج الدول العربية إلى الدخول في حرب مفتوحة مع أي طرف، وإنما تحتاج إلى امتلاك القدرة التي تجعل الاعتداء على أراضيها أو تهديد ممراتها البحرية أو استهداف منشآتها الحيوية مكلفًا، وتجعل قرار الحرب أقل إغراءً للقوى التي تراهن على ضعف الموقف العربي.
ومن هنا يمكن أن تكون القمة المصرية السعودية فرصة لإعادة طرح سؤال ظل مؤجلًا طويلًا:هل حان الوقت لأن يمتلك العرب مظلة أمنية عربية حقيقية، لا تلغي الشراكات الدولية، لكنها لا تجعل الأمن العربي مرهونًا بها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن القاهرة والرياض تملكان كثيرًا من الأدوات التي تسمح لهما بالبدء،مصر تملك الجغرافيا العسكرية والاستراتيجية، والسعودية تملك الثقل الاقتصادي والسياسي، وبينهما البحر الأحمر والخليج، ومن خلفهما منظومة عربية تبحث منذ سنوات عن صيغة أكثر فاعلية للدفاع عن مصالحها،وهنا تصبح زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة أكبر من مجرد قمة ثنائية.
إنها قمة تعقد فوق خريطة نار تمتد من هرمز إلى باب المندب، وقمة تبحث، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن إجابة لسؤال سيحدد شكل المنطقة خلال السنوات المقبلة:
هل يبقى الأمن العربي مستوردًا من الخارج، أم تبدأ الدول العربية في بناء قدرتها الخاصة على حماية أمنها ومصالحها؟
قد لا تعلن القاهرة والرياض عن منظومة أمن عربي جديدة، وقد لا يظهر في البيانات الرسمية ما يكشف كل ما دار خلف الأبواب.
لكن مجرد انتقال النقاش من سؤال «كيف نواجه التصعيد؟» إلى سؤال «كيف نبني أمنًا يمنع تكراره؟» سيكون في حد ذاته تحولًا استراتيجيًا،
وعندها فقط يمكن القول إن قمة القاهرة لم تكن اجتماعًا فوق خريطة النار فحسب..بل كانت محاولة لبدء إعادة تشكيل الخريطة الأمنية للمنطقة.

