د. علياء رمزي
أُراهن بأن كل من يقرأها سيجدُ قصته بين السطور …
رسالة إلى قلبي | هل عدتَ معي إلى المنزل؟
يا قلبي…
إني عدتُ إلى المنزل، لكنني منذ أن أغلقت الباب خلفي وأنا أسأل نفسي:
هل عدتَ معي أنت أيضًا؟
فتشتُ عنك في صدري فلم أجدك كما كنت.
كان الجسد حاضرًا؛ فإلتقط المفتاح من جيبي و فتح الباب ثم خلع معطفه، و وضع مفاتيحه في مكانها، تحرّك بين الغرف، أجاب عن الأسئلة، وأكمل تفاصيل يومه كأن شيئًا لم يحدث…
لكنه لم يكن سعيداً
كانت هناك غصه بالقلب …
حينها شعرت أنني عدتُ فعلياً لكني ناقصة الحضور.
كأن جزءًا حقيقيًا مني ظل هناك في الخارج..
أخبرني يا قلبي …
فهل بقيتَ في مكانٍ آخر؟
أم بقيتَ مع إنسانٍ آخر؟
أم أنك، يا قلبي، حين غادرتُ حملتني إلى البيت بجسدي فقط، ثم عدتَ أنت خلسةً إلى المكان الذي أحببت؟
كم هو مؤلم أن يعود الإنسان إلى منزله… ولا يعود إلى نفسه.
نفسُه التي أحبها و ظل يضحك معها و شهر أنها سعيده في وقت من الأوقات خارج هذه الجدران ..
أن يجلس في غرفته، بينما روحه تجلس في مكان آخر.
أن يشرب قهوته هنا، بينما مذاقها الحقيقي ما زال هناك.
أن يسمع أصوات من حوله، بينما أذنه الداخلية تنتظر صوتًا واحدًا.
أن يأكل، ويتحدث، ويعمل، ويبتسم، ويمارس كل طقوس الحياة الطبيعية… بينما حياته الشعورية كلّها تقيم بعيدًا عنه.
و الأهم أنه عندما يختلي بنفسه لدقائق معدوده يبتسم و روحه تتلحف شعوراً آخر …
يكتشف أنه شعور السعاده ..
وهذه ربما واحدة من أشد صور الفقد رهافةً وقسوة:
أن تفترق جغرافيًا عمّن تحب، قبل أن تستطيع الافتراق عنه نفسيًا.
فالجسد يفهم المسافات سريعًا؛
باب يُغلق، سيارة تمضي، طريق ينتهي، منزل نصل إليه.
أما القلب فلا يعرف الجغرافيا.
و لا يعرف قوانين الجاذبيه ..
و لكن يكسره قوانين قساوة البشر ممن حوله و قساوة المكان و قساوة الزمان ..
لا يفهم لماذا كان هذا الإنسان أمامه منذ ساعات، ثم صار الآن بعيدًا.
ولا يفهم كيف يمكن لمكانٍ أن يصبح فجأةً مجرد عنوان بعدما كان، قبل قليل، عالمًا كاملًا.
والذاكرة أكثر مكرًا من كليهما.
فهي لا تحتفظ بالأحداث الكبرى وحدها؛ بل تختار، في قسوةٍ عجيبة، أصغر التفاصيل:
كلامه .. عطره
طريقة جلوسه ، نظراته
نبرة كلمة عابرة.
طبقًا تقاسمتماه.
رائحة المكان.
ضحكةً لم ينتبه إليها أحد.
نظرةً استغرقت ثانيتين واستوطنت العمر.
ثم تعود بهذه الأشياء إليك حين تكون وحدك، وكأنها تقول:
لقد خرجتَ من المكان… ولكن المكان لم يخرج منك.
ومن منظور علم النفس، نحن لا نتعلق بالأشخاص وحدهم؛ نتعلق أيضًا بـ الحالة التي أصبحنا عليها في حضورهم.
ولهذا قد يكون الاشتياق أحيانًا أعمق من اشتياقنا إلى إنسان بعينه.
نحن نفتقد أنفسنا معه.نفتقد سعادتنا معه ..
نفتقد تلك النسخة النادرة منا التي ظهرت في حضرته؛
نسخةً أكثر ضحكًا، وأكثر تلقائية، وأقل حذرًا، وأكثر قدرةً على الدهشة.
وهنا يكمن الألم الحقيقي:
أن تعود إلى روتينك القديم بعد أن عرفت، ولو لساعات، كيف كان يمكن للحياة أن تشعر لو كانت مختلفة.
فتبدو الأشياء كلها في أماكنها… لكنها ليست كما كانت.
المنزل هو المنزل.
المائدة هي المائدة.
الوجوه ذاتها.
الساعة تتحرك بالطريقة نفسها.
لكن ثمة معرفة جديدة استيقظت داخلك:
ثمة إدراك و نضج أنك لست سعيداً في مكانك المعتاد ..
و أن الفرح الذي بحثت عنه طويلًا قد يكون موجودًا خارج هذه الجدران.
وأن بعض احتفالات الروح لا تحدث في البيوت أو مع الأشخاص العاديون من حولنا ..
بل تحدث على طاولة صغيرة في مكان عابر،
في طريق لم تخطط له،
في حديث امتد أكثر مما ينبغي،
في وجبة أصبح طعمها مختلفًا لأن شخصًا بعينه كان يجلس أمامك.
وهنا ندرك أن الإنسان لا يحتفل بالمكان…
إنه يحتفل بمن كان معه في المكان.
و بالشعور الذي ولد بسبب بمكن كان معه ؟ و أين كان معه ؟
فالبيت قد يكون واسعًا ولا تتسع فيه الروح،
وقد تكون زاوية صغيرة خارج البيت وطنًا مؤقتًا لقلبٍ ظل طويلًا بلا إحتواء.
وكم هي نادرة تلك اللقاءات التي لا تمنحنا مجرد ذكرى، بل تعيد تعريف شعورنا بالحياة.
أشخاص نلتقيهم، ربما، مرةً واحدة في العمر.
لا لأن البشر أمثالهم غير موجودين، بل لأن التركيبة التي حدثت بين روحين، في زمنٍ بعينه، وفي ظرفٍ بعينه، وبذلك القدر من الاستعداد النفسي والصدق والانكشاف…
قد لا تتكرر.
وهؤلاء هم الأخطر على الذاكرة.
فالإنسان العادي حين يرحل يترك فراغًا.
أما الإنسان النادر…
فيترك معيارًا.
وبعده، لا نقارن الناس به وحده؛ بل نقارن شعورنا معهم بالشعور الذي عرفناه معه.
نبحث دون قصد عن ذلك الأمان،
ذلك الانسجام،
تلك الخفة،
تلك النظرة التي جعلتنا نشعر أننا مفهومون دون شرح.
وهنا يتحول الحنين إلى ألم بالغ الرقة،،
ليس لأن ما عشناه كان قبيحًا…
بل لأنه كان جميلًا أكثر مما تسمح لنا الحياة بأن نحتفظ به.
يا قلب ..
ربما لهذا لم تعد معنا إلى المنزل.
ربما بقي منك شيءٌ على ذلك الكرسي،
وشيءٌ عند تلك الطاولة،
وشيءٌ في الطريق،
وشيءٌ مع ضحكةٍ لن يسمعها أحد بالطريقة التي سمعتها بها أنت.
وربما بقي الجزء الأكبر منك مع إنسانٍ لا يعرف أصلًا كم أخذ معه منك عندما غادر.
لكن لا تخجل من ذلك.
فالقلوب التي تشعر بعمق تدفع دائمًا ثمنًا أكبر للذكريات الجميلة.
وأحيانًا لا يكون الألم علامةً على أن اللقاء كان خطأ؛ بل يكون ضريبة الجمال حين يمنحنا القدر شيئًا استثنائيًا، ثم لا يمنحنا ضمان بقائه.
وأعرف…
سيقول العقل لنا : عد إلى واقعك.
لكن الخيال سيقيم احتفاله سرًا.
سيعيد ترتيب المشهد كما يحب.
سيطيل اللقاء الذي انتهى سريعًا.
سيضع الكلمات التي لم تُقَل في أفواه أصحابها.
سيعيدنا إلى الطاولة نفسها، والطريق نفسه، والضحكة نفسها…
لأن الخيال يمنح القلب أحيانًا الاستمرار الذي حرمه منه الواقع.
وليس كل خيال هروبًا.
أحيانًا يكون مساحةً داخلية نحفظ فيها شيئًا كان جميلًا أكثر من أن نتركه يموت لحظة انتهاء اللقاء.
لكن يا قلبي…
لا أريد أن أقضي عمري أعيش هنا بجسدي، بينما تعيش أنت هناك.
لا أريد أن يصبح الواقع مجرد واجبات أؤديها، والخيال هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني حيّة.
لذلك سأمنحك وقتك.
ابقَ هناك قليلًا إن كنت تحتاج.
عُد إلى الأماكن في ذاكرتك.
اجلس على الكرسي مرةً أخرى.
تذوق الطعام.
استمع إلى الصوت.
واحتفظ بتلك اللحظة النادرة كما تستحق.
لكن حين تنتهي…
عُد إليّ.
لا أطلب منك أن تنسى.
ولا أطلب منك أن تنزع من روحك إنسانًا كان استثنائيًا.
أطلب منك فقط ألا تتركني أعيش بقية العمر بجسدٍ عاد إلى المنزل…
وقلبٍ لم يعد.
فبعض الأشخاص نلتقيهم مرةً في العمر، وقد لا يعودون مرةً أخرى.
وبعض الأماكن لا نزورها إلا مرة، لكنها تظل مفتوحةً داخلنا إلى الأبد.
وبعض اللحظات لا تتكرر…
ليس لأنها كانت كاملة،
بل لأننا، ونحن نعيشها، كنا كاملين فيها بطريقةٍ نادرة.
كنا النسخه الأفضل من كل واحدً منا …
لهذا، إن سألتني الليلة:
هل عدتِ إلى المنزل؟
سأقول:
نعم… عاد جسدي.
أما قلبي،
فما زلت أسمع خطواته في مكانٍ بعيد،
بين ذكرى وإنسان وطاولة وضحكة ورائحة وتفاصيل صغيرة لا يعرف أحد لماذا أصبحت مقدسة.
وأنتظره…لا لكي يعود كما كان،
بل لكي يعود حاملًا كل ذلك الجمال، ويضعه برفقٍ في مكانه الصحيح من روحي، ثم يقول لي:
لقد كان حقيقيًا.
لقد كان جميلًا.
ولأنه كان نادرًا، كان مؤلمًا أن ينتهي.
ثم يغلق باب الذكرى برفق…
ويعود معي إلى المنزل.
هل عاد قلب كل واحد منكم معه إلى المنزل ؟
أم بقي خارجه سعيداً ،..
— د. علياء رمزي | وزيرة السعادة
سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

