بقلم: محمد سعد عبد اللطيف
قراءة باردة في نتائج الحرب… هل انتصر نتنياهو أم أُعيد تشكيل غزة بالشروط؟
لم يعد السؤال الجوهري في المشهد الفلسطيني هو: من انتصر ومن انهزم؟
بل السؤال الأكثر صدقًا وقسوة: ماذا تغيّر فعليًا في حياة الفلسطيني بعد الحرب؟ وماذا أُضيف إلى معادلة شعب محاصر، محتل، مُنهك، يدفع ثمن الصراع منذ عقود، بينما تتبدل العناوين وتبقى الكلفة واحدة؟
السابع من أكتوبر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل لحظة فاصلة أعادت ترتيب المشهد الفلسطيني والإقليمي، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة تُدار بلغة الشروط لا الشعارات، وبمنطق النتائج لا النوايا.
من فك الارتباط إلى الحصار: سياق لم يتبدل
عندما أعلنت إسرائيل «فك الارتباط» عن قطاع غزة عام 2005، بدا المشهد وكأنه بداية نهاية الاحتلال، لكنه كان في جوهره تحولًا في أسلوب السيطرة، لا إنهاءً لها.
غزة خرجت من الاحتلال المباشر إلى حصار شامل، بلا سيادة حقيقية، ولا منافذ مستقلة، ولا اقتصاد قابل للحياة.
منذ عام 2006، تشكلت معادلة مختلة: سلطة بلا دولة، ومقاومة بلا أفق سياسي، وشعب يدفع الثمن وحده.
تعاقبت الحروب، وتكررت النتيجة: دمار واسع، وإعادة إعمار جزئية، ثم دمار جديد، بينما بقي جوهر الأزمة دون مساس.
السابع من أكتوبر: كسر للمعادلة أم فتح للأبواب؟
لا يمكن إنكار أن السابع من أكتوبر شكّل صدمة أمنية ونفسية عميقة لإسرائيل، لكنه في المقابل أطلق أوسع عملية تدمير عرفها قطاع غزة، وفتح المجال أمام تدخل دولي وإقليمي لإعادة صياغة «اليوم التالي».
هنا يفرض السؤال نفسه بلا مواربة:
هل كانت الكلفة البشرية والاجتماعية والسياسية متناسبة مع النتائج؟
وهل امتلك قطاع محاصر، بلا عمق استراتيجي أو غطاء سياسي حقيقي، ترف خوض مواجهة مفتوحة بهذا الحجم؟
ما بعد السابع من أكتوبر لم يكن استعادةً للتوازن، بل نقل الصراع إلى مرحلة تُدار من خارج غزة أكثر مما تُدار من داخلها.
ما بعد الحرب: إدارة جديدة ونزع سلاح مشروط
الحديث اليوم لم يعد يقتصر على وقف إطلاق النار، بل امتد إلى:
- إدارة تكنوقراط للقطاع.
- إعادة إعمار مشروطة.
- نزع سلاح المقاومة في المرحلة الثانية.
هذا التحول لا يمكن اعتباره تفصيلًا إجرائيًا، بل هو إعادة هندسة سياسية وأمنية لقطاع غزة.
نزع السلاح هنا لا يُطرح كإجراء أمني فحسب، بل كأداة لإعادة تشكيل موازين القوة مستقبلًا، وتحويل غزة إلى كيان منزوع القدرة على التأثير، تحت إدارة «محايدة» في الشكل، ومضبوطة في المضمون.
هل انتصر نتنياهو؟
الإجابة تختلف باختلاف معيار القياس.
إذا كان النصر يُقاس بحجم الدمار، وفرض الشروط السياسية، وفتح نقاش دولي حول «اليوم التالي» بلا مقاومة، فيمكن القول إن إسرائيل حققت جزءًا معتبرًا من أهدافها.
أما إذا كان النصر يعني أمنًا دائمًا، واستقرارًا طويل الأمد، وإنهاءً لجذور الصراع، فإن ذلك لم يتحقق، ولن يتحقق؛ لأن جوهر الصراع لم يكن يومًا في السلاح وحده، بل في استمرار الاحتلال وغياب العدالة.
ما قبل وما بعد: 7 أكتوبر كـ5 يونيو؟
كما يتحدث العرب تاريخيًا عن «ما قبل وما بعد 5 يونيو 1967»، يفرض الواقع اليوم سؤالًا مشابهًا: هل نحن أمام ما قبل وما بعد السابع من أكتوبر؟.
الفرق أن هزيمة 1967 قادت لاحقًا إلى مراجعات استراتيجية عميقة، بينما الخطر اليوم يكمن في التمسك بالخطاب ذاته رغم تغيّر الواقع جذريًا.
الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر بات:
- أكثر تدميرًا.
- أكثر اعتمادًا على المساعدات.
- أقل قدرة على الفعل.
- أكثر عرضة للوصاية الدولية.
وهنا تتجلى المأساة كاملة:
شعب يدفع ثمن صراع طويل، بينما يُطلب منه الصبر دون أن يُعرض عليه أفق واضح للخلاص.
بعيدًا عن العاطفة: ماذا استفاد الفلسطيني؟
بعيدًا عن الشعارات واللغة العاطفية، يظل السؤال البحثي الحاسم:
هل اقترب الفلسطيني من الحرية؟
هل تحسنت شروط حياته؟
هل بات يملك أفقًا سياسيًا واقتصاديًا؟
الإجابة، حتى اللحظة، مؤلمة.
غزة اليوم أكثر إنهاكًا، وأكثر هشاشة، وأقل قدرة على فرض معادلتها.
قراءة أخيرة: بين الصمود والمراجعة
غزة لا تحتاج خطابًا أعلى صوتًا، بل عقلًا أشد شجاعة.
ولا تحتاج مزيدًا من الرموز، بل مشروعًا وطنيًا قابلًا للحياة.
السابع من أكتوبر يجب أن يُقرأ كنقطة مراجعة، لا كنقطة تمجيد.
فليس كل صمود بطولة، ولا كل مواجهة حكمة، ولا كل دم طريقًا إلى الحرية.
التاريخ لا يرحم من يكرر الأخطاء، ولا يعوّض الشعوب عن الأثمان التي دُفعت بلا حساب.

