بقلم / د. ميساء المصري
يبدو أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ساحة جانبية في الحرب اليمنية. فمع استمرار هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، تتجه المعادلة تدريجيًا من القدرة على إزعاج خطوط التجارة من مواقع بعيدة، إلى محاولة التأثير في الجغرافيا التي تتحكم أصلًا في حركة السفن.
وهنا تبرز المخا وباب المندب وجزيرة ميون وأرخبيل حنيش بوصفها عقدًا جغرافية يمكن أن تغير قواعد الاشتباك إذا نجح الحوثيون في تثبيت وجود عسكري مؤثر حولها.
لكن الفارق جوهري بين التهديد و السيطرة . فإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة يمنح الحوثيين قدرة على فرض كلفة على الملاحة، بينما السيطرة المستدامة على مواقع ساحلية وجزر استراتيجية تتطلب منظومة مختلفة تمامًا، دفاعًا جويًا، وقدرة بحرية، وإمدادًا مستمرًا، وغطاءً سياسيًا وعسكريًا يحول دون استنزاف تلك المواقع.
ولذلك فإن أي تمدد محتمل نحو الساحل الغربي يجب أن يُقرأ باعتباره اختبارًا لقدرة الحوثيين على الانتقال من حرب الاستنزاف إلى حرب السيطرة الجغرافية.
ومن هنا تكمن أهمية الساحل الغربي في أنه يقرب الحوثيين من إحدى أكثر نقاط الاختناق حساسية في التجارة العالمية. فباب المندب ليس مجرد ممر بحري. إنه حلقة الوصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، ومن ثم بين قناة السويس والمحيط الهندي.
وفي حال تمكن الحوثيون من بناء شبكة نيران ساحلية متقدمة ومتكاملة حول المضيق، فإنهم يستطيعون رفع مستوى المخاطر على السفن حتى من دون إغلاقه رسميًا.
وهذه هي النقطة الأكثر أهمية، لأنه في الجغرافيا البحرية الحديثة لا تحتاج القوة المسيطرة إلى إغلاق الممر بالكامل حتى تحقق أثر الحصار بل يكفي أن تجعل المرور مكلفًا أو غير قابل للتنبؤ.
لكن السيطرة على الجزر ليست بالضرورة مكسبًا مطلقًا. فالجزر مواقع مكشوفة وخطرة هنا، وإمدادها أكثر صعوبة من إمداد المواقع البرية، والقوات الموجودة فيها تصبح عرضة للمراقبة والاستهداف إذا فقدت الغطاء الجوي والبحري. ولذلك فإن أي تمركز حوثي ثابت في ميون أو حنيش، إذا تحقق، قد يتحول من ورقة قوة إلى نقطة ضعف ما لم يكن جزءًا من منظومة أوسع.
الأخطر في معركة باب المندب ليس بعدها اليمني، بل أثرها على الاقتصاد العالمي.
فأي ارتفاع مستمر في مخاطر الملاحة ينعكس على تكاليف التأمين، وأجور الشحن، ومسارات الناقلات، وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا. وقد لا يحتاج الأمر إلى إغلاق المضيق حتى تبدأ الشركات بإعادة حساباتها بل مجرد ارتفاع احتمالات الاستهداف يكفي لدفع بعض السفن إلى طرق أطول وأكثر كلفة.
وهنا تظهر أهمية الساحل الغربي السعودي وميناء ينبع. فخطوط نقل النفط السعودية إلى البحر الأحمر تمثل جزءًا من منظومة تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. لكن قيمة هذا البديل لا تُقاس بالأنبوب وحده، بل بقدرته على إيصال النفط إلى الأسواق عبر مسار بحري آمن. وإذا أصبح جنوب البحر الأحمر أكثر خطورة، فإن ميزة هذا البديل تتراجع.
غير أن الحديث عن كماشة مزدوجة بين هرمز وباب المندب ينبغي ألا يتحول إلى مبالغة. فالسيطرة الحوثية المباشرة على باب المندب، حتى لو اتسعت، لا تعني تلقائيًا أن إيران أصبحت قادرة على التحكم منفردة في تدفقات الطاقة العالمية. المسألة أكثر تعقيدًا، لأن المضيقين يخضعان لبيئات عسكرية وجغرافية مختلفة، ولأن القوى الدولية تملك قدرات كبيرة على حماية الملاحة وفتح الممرات.
بالنسبة إلى مصر، يمثل استمرار اضطراب البحر الأحمر تهديدًا مباشرًا لمصالح قناة السويس، التي تعتمد على انتظام حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. أما السعودية فتنظر إلى البحر الأحمر باعتباره عمقًا اقتصاديًا وأمنيًا متزايد الأهمية، وليس مجرد واجهة بحرية.
أما الولايات المتحدة والقوى الأوروبية والآسيوية، فالمعادلة مختلفة، حرية الملاحة مبدأ استراتيجي، وأي طرف يثبت قدرته على تهديدها لفترة طويلة يرفع تلقائيًا احتمال تدويل المواجهة.
وهنا تحديدًا قد يقع الحوثيون في مفارقة استراتيجية. فكلما ارتفع مستوى الضغط على الملاحة الدولية، اتسعت دائرة الأطراف الاقليمية والدولية التي ترى أن كلفة ترك الجماعة تتصرف بحرية في البحر الأحمر أصبحت أكبر من كلفة مواجهتها.
من الصعب فصل السلوك الحوثي عن البيئة الإقليمية التي تمثل فيها إيران طرفًا رئيسيًا. لكن اختزال كل تحرك حوثي باعتباره قرارًا إيرانيًا مباشرًا قد يقود إلى قراءة مبسطة للصراع. الحوثيون يمتلكون حساباتهم المحلية الخاصة، حتى مع عمق العلاقة الاستراتيجية والعسكرية مع طهران.
لكن المفارقة أن التصعيد المفرط قد ينتج عكس الهدف المطلوب، بدل تحسين الموقف التفاوضي، قد يدفع خصوم إيران إلى تنسيق أكبر، ويمنحهم مبررات إضافية لتوسيع العقوبات والردع البحري.
وهنا نتساءل هل الحوثيون اذا استطاعوا الوصول إلى نقطة جغرافية ما، هل هم قادرون على الاحتفاظ بها تحت ضغط عسكري متواصل؟
هذه هي معادلة باب المندب الحقيقية. فالجغرافيا تمنح الحوثيين فرصة للضغط، فهل تمنحهم بالضرورة القدرة على الدفاع المستدام عن المواقع المتقدمة. وفي المقابل، فإن القوى المناوئة لهم هل تستطيع استخدام التفوق الجوي والبحري والاستطلاع والمراقبة بعيدة المدى لإضعاف أي تمركز ثابت.
لذلك تبدو المواجهة المقبلة أقرب إلى صراع على كلفة السيطرة منه إلى صراع على رفع علم فوق جزيرة. فإذا أصبح الحوثيون قادرين على تعطيل الملاحة بصورة مستمرة، فسيتحولون إلى مشكلة أمن دولي، وإذا اضطروا إلى تثبيت قوات كبيرة في مواقع مكشوفة، فقد يتحول مكسبهم الجغرافي إلى عبء عسكري.
القراءة العسكرية ترجح أن التحالف المتضرر سيتجه نحو خيارين: إما تنفيذ عمليات تطهير خاطفة باستخدام الكثافة النارية والانزال البري في الجزر لتجريد الحوثيين من مكاسبهم، أو فرض حصار بحري وجوي خانق يقطع أوصال الإمداد عن هذه القوات ويجبرهم على الخروج أو الانتهاء تكتيكياً.
في النهاية، باب المندب ليس جائزة لمن يصل إليه أولًا، بل اختبار لمن يستطيع فرض معادلة مستدامة حوله. والانتقال من حرب الصواريخ إلى حرب الجغرافيا قد يمنح الحوثيين أوراقًا أقوى في المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه يقرّب الصراع من اللحظة التي تصبح فيها المصالح الإقليمية والدولية المتضررة متطابقة على ضرورة تغيير قواعد اللعبة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى، كلما اقترب الحوثيون من باب المندب، قد يقتربون في الوقت نفسه من تشكيل ائتلاف أوسع بكثير لمواجهته

