بقلم: رضا طاهر الفقي
حين يعلن قائدا انتصارا عشرات المرات، ويغرق في لغة الاستعلاء، ويضخم صورة السيطرة إلى حد مسرحي، فالسؤال الأول لا يكون عن النتيجة العسكرية. السؤال يكون عن الرسالة النفسية الكامنة وراء الكلمات.
خطاب دونالد ترامب الأخير بشأن المواجهة مع إيران أعاد إلى الواجهة مفهوماً قديماً في علم النفس اسمه التكوين العكسي.
التكوين العكسي ببساطة هو أن يظهر الإنسان سلوكاً ومشاعر معاكسة تماماً لما يشعر به في داخله. العقل اللاواعي يقول: هذا الشعور مرفوض أو يهدد صورتي عن نفسي، فسأتصرف بالعكس وبشكل مبالغ فيه حتى أخفيه، وأصدقه أنا أولاً. وهو ينشط غالباً عندما تتسع الفجوة بين الرغبة الحقيقية والواقع.
لفهم كيف تتحول آلية دفاع فردية إلى خطاب دولة، من المفيد العودة إلى السنوات الأولى.
وُلد دونالد ترامب عام ١٩٤٦ في حي كوينز بنيويورك لعائلة من رجال الأعمال. والده فريد ترامب كان شخصية صارمة تؤمن بمنطق الفائز والخاسر، وتربط القيمة الشخصية بالنجاح المادي والهيمنة. في المقابل، وصفت تقارير وسير ذاتية أن والدته ماري كانت غائبة لفترات بسبب المرض.
في مدرسة عسكرية أُرسل إليها في سن ١٣، تعلم درساً مبكرا إظهار الضعف مكلف. البيئة كافأت الصوت العالي، الثقة المطلقة بالنفس، ورفض الاعتذار. هذه التنشئة لا تخلق بالضرورة اضطراباً، لكنها ترسخ معادلة نفسية بسيطة وقاسية: الأمان يساوي السيطرة، وفقدان السيطرة يساوي تهديداً للذات.
عندما انتقل لاحقاً إلى عالم العقارات والإعلام، كر نفس المعادلة. كل صفقة كانت اختباراً للهيبة. وكل تراجع إعلامي كان يعالج بإعلان أكبر وأعلى صوتاً. هنا تشكلت البذرة التي ستظهر لاحقاً في السياسة: الهوية مرتبطة بصورة الرجل الذي لا يخسر أبداً.
في أزمة إيران الأخيرة ظهرت هذه المعادلة بوضوح في ثلاث علامات العلامة الأولى هي المبالغة،إعلان نصر كامل وساحق تكرر رغم أن الوقائع الميدانية كانت ضبابية وتحتاج وقتاً للتقييم. القوة الواثقة لا تحتاج إلى تكرار، لكن القوة التي تخشى الشك تحتاج إلى ضجيج مستمر. الضجيج هنا ليس زخرفة بلاغية، هو درع.
العلامة الثانية هي التناقض. في أيام معدودة تنقل الخطاب بين التهديد الشديد، ثم المدح، ثم العودة للتصعيد. التناقض هنا ليس ضعفاً بلاغياً فقط. من منظور نفسي هو علامة صراع بين واقع معقد لا يمكن السيطرة عليه بالكامل، وبين صورة ذاتية يجب حمايتها بأي ثمن. العقل يراوغ بين الاعتراف بالتعقيد وبين الحفاظ على صورة الرجل القوي.
العلامة الثالثة هي تحويل القلق إلى سيطرة رمزية. عندما تشتد الضغوط الدولية، يتحول الكلام إلى أداة تعويض. بدل الاعتراف بالتعقيد، يقدم نصر لغوي مكتمل الأركان. الهدف ليس إقناع طهران بقدر ما هو تهدئة القلق الداخلي أولاً، ثم تهدئة القاعدة الشعبية ثانياً.
هنا لا نتحدث عن وصف للواقع، بل عن إخفاء نقيضه. وكما يقول علم النفس: كلما اشتد التناقض بين الداخل والخارج، ازداد السلوك صخباً. القوة الهادئة لا تبرر نفسها، أما القوة المتخيلة فتصرخ لتقنع صاحبها قبل أن تقنع الآخرين.
في ذكريات سبتمبر، وتحديداً في ذكرى هجمات ١١ سبتمبر، كان ترامب من القلائل الذين تحدثوا عن نوم وسط الفوضى. في مقابلات لاحقة قال إنه نام تلك الليلة رغم كل شيء، وكأن النوم نفسه إعلان سيطرة. هذه اللقطة الصغيرة تقول الكثير. في اللحظة التي ينهار فيها العالم، يختار إظهار الهدوء المطلق. ليس لأنه غير مبال، بل لأن إظهار الفزع يهدد الصورة التي بناها عن نفسه منذ الطفولة.
النوم هنا يتحول إلى رسالة، أنا لا أهتز، وأزمة إيران لم تكن مختلفة. وسط تقارير متضاربة وتحليلات تحذر من التصعيد، كان الرد هو المزيد من اليقين اللفظي، والمزيد من التأكيد على أن كل شيء تحت السيطرة، كأن الكلمات نفسها مخدة يضع عليها رأسه لينام.
الخطير أن ما يبدأ كآلية دفاع فردية لا يبقى في الغرفة المغلقة. في السياسة يتحول إلى فعل جماعي له ثلاثة آثار مباشرة.
الأثر الأول يصيب الجمهور. الجمهور الذي يشارك نفس الخوف من فقدان الهيبة الأمريكية يجد في الخطاب مرآة. المبالغة تريحه لأنها تخفف توتره. فيصدق النصر اللغوي لأنه يحتاجه نفسياً قبل أن يحتاجه واقعياً.
الأثر الثاني يصيب الخصم. الطرف الآخر يقرأ الضجيج كعدوان. فيرد بضجيج مقابل. فتتحول آلية دفاع إلى حلقة توتر دولي يصعب كسرها. كل تصريح صاخب يولد تصريحاً أصخب.
الأثر الثالث هو تآكل المصداقية. مع تكرار الفجوة بين القول والفعل، حتى المؤيدين يصابون بإرهاق. في اللحظة التي يحتاج فيها القائد إلى ثقة حقيقية، يجد جمهوراً متردداً يسأل ،وأين النصر هذه المرة.
بمعنى آخر، التكوين العكسي في السياسة الخارجية لا يحل أزمة، بل يؤجل مواجهتها ويضخم كلفة المواجهة لاحقاً.
الأزمات الكبرى مثل المواجهة مع إيران تمس جوهر الصورة التي بناها ترامب لنفسه منذ الطفولة، أنا لا أخسر. أي مؤشر على تعادل أو تراجع يفسره اللاوعي كتهديد وجودي. فيلجأ العقل لأسرع دفاع، عكس التهديد.
بدل الموقف معقد يصبح لقد انتصرنا وانتهى الأمر. بدل هناك مخاطر” يصبح السيطرة مطلقة.
هذا لا يعني أن كل تصريح هو خدعة محسوبة. جزء كبير منه إيمان ذاتي. وهذه هي مفارقة التكوين العكسي: الشخص نفسه يصدق الرواية التي يصنعها لأنه بحاجة إليها للبقاء متماسكاً. بدونها تنهار صورة الذات التي استغرق بناءها عقوداً.
ما يبدو نصراً في اللغة قد يكون دفاعاً ضد شعور بالتهديد. وما يعرض كسيطرة مطلقة قد يكون محاولة للهروب من الشك.
في السياسة لا تكفي قراءة البيانات العسكرية وحدها. أحياناً علينا قراءة الصمت بين الجمل، وتكرار الكلمات، والارتفاع المفاجئ في النبرة. لأن اللاوعي يتكلم، لكنه يتكلم بلسان سياسي.
وعندما تنتقل آليات الدفاع من العيادة إلى منصة البيت الأبيض، فإن الكلفة لا يدفعها فرد في جلسة علاج، بل يدفعها كوكب بأكمله في شكل قرارات وحروب وردود أفعال.
الضجيج إذن ليس دليل قوة. أحياناً هو الدليل الوحيد على أن هناك شيئاً نخاف أن نسمعه في الداخل.

