بقلم : نورچيهان عبدالرحمن
لم تكن الدماءُ التي أُريقت على أعتاب قرية “الشوبك الشرقي” مجردَ جريمة أسرية تُطوى صفحاتُها في دفاتر الحوادث ، بل كانت إعلانًا صارخًا عن تحوّل الهواتف الذكية في أيدينا إلى شفرات حادة تُمارس القتل بالضغط .
فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها ، تحولت في لحظات من ضحية استغلال وتغرير إلى وجبة رقمية دسمة ، تتغذى عليها الخوارزميات وتتسارع من حولها التعليقات والمشاركات الرقمية .
بدأت المأساة بمنشور استغاثة بحثًا عن فتاة غائبة ، لكن السيرك الرقمي لم يرحم براءتها ، وما إن أعلنت الجهات الرسمية كشف ملابسات الواقعة ، حتى اقتطعت المنصات الإخبارية وصفحات “التريند” البيانات التفصيلية ، وصاغتها بعناوين مثيرة منزوعة الإنسانية ، حيث نُصبت للفتاة محكمةُ تفتيشٍ علنية على الشاشات الرقمية ، محكمةٌ لا تعرف الاستئناف ولا ترحم حداثة السن ، وصمت الضحية بالعار وأرسلت رسائل بالإدانة إلى هاتف أسرتها على مدار الساعة .
تحت هذا الوباء الرقمي ، وقعت الأسرة وشقيق الفتاة في مصيدة “الهستيريا الجمعية” ، حيث لم يعد الضغط مجرد كلامٍ يُقال في أزقة القرية ، بل تحول شريط الإشعارات المستمر إلى سوطٍ يجلد نسيج البيت الداخلي ، وشحنٍ نفسي متواصل يُذكي نار الشرف المغلوط ، وفي لحظة انغلاقٍ عقلي كامل ، اندفع الشقيق لإشهار السلاح وإراقة دم شقيقته فور عودتها ، ظنًا منه أن القتل هو الوسيلة الوحيدة لإسكات خوارزمياتٍ لا تشبع من التشهير بالسمعة .
تأتي هذه الفاجعة لتنسف كل الادعاءات التي تتستر بالدين أو العرف ، فالشريعة الإسلامية التي حظرت القتل العمد وجعلته من كبائر الذنوب ، لا تعرف ما يُسمى بـ “جرائم الشرف” ، وتجعل إقامة العدل حصريًا للقضاء لا للأهواء الفردية ، كما جعل الشرع الستر أصلًا ، وعَظّم من حماية الأطفال والقصر ، واعتبر الخوض في الأعراض والتشهير الرقمي إثمًا مغلظًا وشراكةً مباشرة في الجريمة .
ومن الزاوية النفسية ، حُرِمت الفتاة من حقها في التعافي من صدمة الاستغلال ، ليُعاجلها المجتمع بالقتل الفعلي بعدما أجهز عليها معنويًا ونفسيًا .
لكن المأساة لم تنتهِ بسقوط جثة الفتاة ، بل بدأت الجحيم الحقيقي للجميع ، فما إن أفاق الشقيق من ذروة الشحن النفسي وسلّم نفسه للشرطة ، حتى اصطدم بالواقع المُر: لم يُغسل العار كما توهم ، ولم تصمت ألسنة المنصات ، بل تحول هو نفسه إلى “تريند جديد” وجاني يُواجه عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد ، ليعيش تحت وطأة الشعور القاتل بالذنب والصدمة النفسية اللاحقة للجريمة .
أما الأسرة ، فقد انهارت تمامًا وانفرط عقدها ، فبدلاً من أن تفقد فتاة واحدة ، فقدت الابنة القتيلة والأخ القاتل المحبوس ، وتحول البيت إلى شبحٍ يطوقه الخراب والصمت ، وتحولت ألسنة التواصل الاجتماعي التي حرضتهم بالأمس إلى جلدِهم اليوم بتهمة الجهل والتوحش .
رحلت “فتاة الصف” ، وتدمرت أسرتها بالكامل ، لتترك هذه القضية جرحًا غائرًا في ضمير الإعلام الرقمي والمجتمع ، إنها تذكيرٌ مرعب بأن الكلمة على الشاشة لم تعد مجرد رسائل إلكترونية ، بل قد تتحول إلى رصاصةٍ قاتلة ، حين تتجرد الخوارزميات من الإنسانية ، ويتحول البحث عن “التفاعل” إلى غاية تُبرر قتل الأرواح ، نصبح جميعًا بضغطة واحدة أو مشاركة غير مسؤولة شركاء صامتين في سلب الحياة وانهيار أخلاقيات المجتمع .
إلى كل أسرة مصرية : احتضنوا أبناءكم قبل أن تحتضنهم الشاشات ، فالإنصات الواعي والمصادقة في البيوت هما الجدار الأول للحماية قبل أن تبتلعهم فوضى العالم الرقمي .

