كتب/ الحسيني عبدالله
نزيف التريليونات
تستمر التداعيات الاقتصادية للمواجهة الإقليمية والدولية غير المسبوقة بين الولايات المتحدة وإيران في إحداث هزات عنيفة في أركان الأسواق المالية والتجارية حول العالم.
ومع اتساع نطاق المواجهات العسكرية، تحولت المخاوف من «صدمة مؤقتة» إلى أزمة هيكلية متكاملة تهدد بدفع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي نحو التراجع، وتأجيج موجات جديدة من التضخم الركودي.
صدمة الطاقة وانقطاع شرايين الإمداد
تكمن النقطة المحورية لهذا النزيف الاقتصادي في اضطراب حركة الشحن والتجارة عبر مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ونسب مرتفعة من الغاز الطبيعي المسال.
وقد أدى تعطيل الملاحة وتضرر ناقلات النفط إلى صعود أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 100 دولار، وصولًا إلى 118 دولارًا للبرميل خلال ذروة التصعيد، متسببة في أكبر اضطراب لإمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، وفقًا لتقارير وكالة الطاقة الدولية.
الفاتورة المباشرة وغير المباشرة
تتوزع الأضرار المادية الناتجة عن الصراع على عدة محاور رئيسية:
الموازنة العسكرية الأمريكية: قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي (CBO) الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية ضد إيران بنحو 38 مليار دولار حتى بداية شهر أغسطس 2026، مع توقعات بإنفاق ما بين 2 و3 مليارات دولار شهريًا لاستمرار العمليات والتعويض عن الذخائر الصاروخية ومعدات الدفاع الجوي المستهلكة.
سلاسل الإمداد العالمية: شهدت تكاليف التأمين البحري ورسوم الشحن قفزات كبيرة بسبب اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول مناطق النزاع، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية والمواد الخام في مختلف القارات.
النمو والتضخم: أبدت مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، قلقًا متزايدًا من عودة الارتفاع في معدلات التضخم، مما يفرض على البنوك المركزية تأجيل خطط خفض الفائدة ومواجهة مخاطر الركود التضخمي (Stagflation).
أضرار إقليمية وتراجع الثقة
على الصعيد الإقليمي، أدت الأزمة إلى تعطيل حركة السياحة وانكماش التدفقات الاستثمارية، بالإضافة إلى تكبيد الدول المجاورة خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تأثر خطوط الطيران وانخفاض حجم التجارة البينية.
قراءة في الأرقام والمواقف
وفي متابعة إعلامية دولية متخصصة، تسلط التقارير التلفزيونية الاقتصادية الضوء على خطورة هذه المرحلة، وتلخص المشهد في النقاط التالية:
شلل الأسواق المالية: تسجيل موجات بيع مكثفة في البورصات العالمية، مع تراجع مؤشرات الأسهم الرئيسية وتدفق رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، كالذهب والدولار.
تأثر قطاع الطيران والشحن: تكبد شركات الطيران والنقل البحري خسائر تقدر بمليارات الدولارات نتيجة إغلاق المجالات الجوية وتغيير خطوط الملاحة البحرية.
تحذيرات الهيئات الدولية: تشديد خبراء الاقتصاد على أن استمرار الحرب لفترة أطول يهدد بمحو مكاسب التعافي الاقتصادي التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، مما يضع الاقتصاد العالمي على شفا ركود شامل.
تؤكد هذه المعطيات الرقمية والتحليلات الميدانية أن الخسائر الناجمة عن هذا الصراع لا تقف عند حدود الموازنات العسكرية للدول المنخرطة فيه فحسب، بل تمتد لتتحول إلى فاتورة باهظة ومباشرة يدفع ثمنها المستهلكون والشركات عبر مختلف القارات

