بقلم: حنان العمري
ليس كل جوع نعرف كيف نسكته، وليس كل احتياج نستطيع الاعتراف به. فهناك جوع لا تصنعه المعدة، بل تصنعه مشاعر لم تجد من يحتويها، واحتياجات ظلت مؤجلة، وحرمان قديم لم ينتهِ بانتهاء أسبابه.
الجوع العاطفي ليس مجرد رغبة في الحب أو الاهتمام، بل قد يكون محاولة نفسية للحصول على شعور أعمق بالأمان والقيمة والانتماء، فبعض الأشخاص لا يبحثون عن شريك بقدر ما يبحثون عن الطمأنينة التي افتقدوها، وعن شخص يستطيعون بجانبه أن يتخلوا قليلًا عن قوتهم الدائمة.
وقد ينشأ هذا الجوع في طفولة افتقدت الاحتواء، أو في علاقات تركت خلفها الخذلان، أو بعد سنوات طويلة من تحمّل المسؤوليات والعطاء دون أن يجد الإنسان من يسنده.
وليس بالضرورة أن يكون الحرمان ماديًا أو أن يكون الحب غائبًا؛ فقد يكبر الإنسان في بيئة توفر له كل شيء، باستثناء الشعور بأنه مفهوم ومقبول كما هو.
المشكلة لا تبدأ من احتياجنا إلى الحب، بل من اللحظة التي يصبح فيها الحب شرطًا لشعورنا بقيمتنا.
حين يصبح الاحتياج مبررًا للألم
الشخص الذي يعاني من الجوع العاطفي قد يبدو قويًا ومستقلًا وناجحًا، لكنه في علاقاته قد يصبح شديد الحساسية تجاه التجاهل، كثير القلق من الفقد، ومفرطًا في العطاء، وكأنه يحاول أن يضمن بقاء الآخرين من خلال ما يقدمه لهم.
وقد يبرر الغياب بالظروف، والتجاهل بالانشغال، والقسوة بالتعب، ويمنح الكلمات الجميلة معنى أكبر من الأفعال التي تناقضها.
ليس لأنه لا يرى الحقيقة، بل لأنه يخشى ما تعنيه الحقيقة بالنسبة إليه.
فقد يصبح فقدان العلاقة في داخله أكبر من خسارة شخص؛ قد يعني العودة إلى الوحدة، أو مواجهة فراغ قديم، أو الاعتراف بأن الأمان الذي انتظره لم يكن موجودًا كما تخيل.
وهنا يبدأ الإنسان بالتنازل عن احتياجاته وحدوده، لا لأنه لا يعرف قيمتها، بل لأنه يخشى أن يؤدي تمسّكه بها إلى خسارة من تعلّق به.
وقد ينجذب إلى علاقات متقلبة تمنحه الاهتمام ثم تحرمه منه، فيعيش في حالة انتظار دائم، ويخلط بين شدة القلق وعمق الحب، وبين صعوبة الوصول إلى الآخر وقيمة العلاقة.
الخيبة… حين نكتشف أننا أحببنا أكثر مما كان موجودًا
أحيانًا لا نتعلق بالشخص كما هو، بل بالصورة التي صنعناها له، وبالأمان الذي أسقطناه عليه، وبالحياة التي تخيلنا أننا سنعيشها معه.
نمنحه مكانة لم يصل إليها بأفعاله، ونحمّله احتياجات لم يكن مسؤولًا عنها، وننتظر منه أن يعوضنا عن سنوات من الوحدة أو الخذلان.
وحين تنكشف الحقيقة، لا تكون الصدمة في رحيله وحده، بل في انهيار كل ما بنيناه حول وجوده.
نكتشف أننا لم نفقد شخصًا فقط، بل فقدنا أملًا، ومستقبلًا متخيلًا، ونسخة من أنفسنا كنا نعتقد أننا سنصبحها معه.
وقد تكون الخيبة الأشد حين نبدأ بلوم أنفسنا: لماذا لم أنتبه؟ لماذا قبلت؟ كيف تجاهلت ما كان واضحًا؟.
وهنا يتحول الألم من خيبة في الآخر إلى خيبة في الذات، فنشك في قدرتنا على الاختيار، ونخاف أن نثق مجددًا.
لكن الاحتياج لا يجعلنا أغبياء، والخذلان لا يعني أننا نستحق ما حدث لنا. قد نحتاج إلى مراجعة اختياراتنا، لكننا لا نحتاج إلى معاقبة أنفسنا كي نتعلم.
لماذا لا يشبع الجائع عاطفيًا؟
لأن ما ينقصه قد لا يكون كمية الحب، بل القدرة على الشعور بأنه يستحقه ويستطيع الاطمئنان إليه.
قد يتلقى الاهتمام، لكنه يخشى أن يكون مؤقتًا. وقد يسمع كلمات الحب، لكنه ينتظر دليلًا جديدًا يؤكدها، وكلما زاد تعلقه، زاد خوفه من الفقد، وكلما زاد خوفه، احتاج إلى مزيد من الطمأنة.
وهكذا يدخل في دائرة مرهقة، يصبح فيها الآخر مسؤولًا عن تهدئة مخاوفه باستمرار.
ومع الوقت، قد يستنزف نفسه في مراقبة العلاقة وتحليل تفاصيلها، ويهمل حياته واحتياجاته، أو يكرر اختيارات عاطفية متشابهة، ثم يخرج منها باعتقاد مؤلم أن الحب لا ينجح معه.
لكن تكرار الخيبة لا يعني أن الإنسان محكوم بها، بل قد يكون دعوة لفهم ما الذي يدفعه إلى الاختيار، وما الذي يجعله يتمسك، وما الذي يخشاه حين يقرر الرحيل.
التعافي… أن نحب دون أن نخسر أنفسنا
التعافي من الجوع العاطفي لا يعني أن نتوقف عن الاحتياج، أو أن نغلق قلوبنا، أو أن نتظاهر بالاكتفاء.
بل يعني أن نتعلم كيف نحب دون أن نجعل وجود الآخر الدليل الوحيد على قيمتنا، وكيف نمنح دون أن نستنزف، ونشتاق دون أن نتنازل عن كرامتنا، ونضع حدودًا دون أن نشعر أننا نخاطر باستحقاقنا للحب.
أن نسأل أنفسنا بصدق: هل أحب هذا الشخص كما هو، أم أنني أحتاج إليه كي أشعر أنني بخير؟.
فالعلاقة الصحية لا تنقذنا من أنفسنا، بل تمنحنا مساحة آمنة لنكون أنفسنا، ولا ينبغي أن يتحول الشريك إلى المسؤول الوحيد عن ترميم جروح لم نفهمها بعد.
وقد يحتاج الإنسان إلى مواجهة جذور احتياجه، وإعادة بناء ثقته بنفسه، وتعلم الحدود الصحية، وأحيانًا إلى مساعدة مختص نفسي إذا أصبحت هذه الأنماط مصدرًا متكررًا للألم.
أعمق أشكال النضج العاطفي ليس أن نستغني عن الحب، بل أن نتوقف عن خسارة أنفسنا في سبيل الحصول عليه.
فحين نتصالح مع احتياجاتنا، لا يصبح قلبنا أقل رغبة في الحب، بل يصبح أكثر وعيًا بما يستحق أن يمنحه، وأكثر قدرة على التمييز بين علاقة تمنحه الطمأنينة وأخرى تستنزفه في انتظارها.
وعندها نفهم أن الحب ليس أن نجد شخصًا يملأ كل فراغاتنا، بل أن نلتقي بمن يشاركنا الحياة، دون أن نضطر إلى التخلي عن أنفسنا كي يبقى.

