كثيرًا ما تقف المقاربات الاقتصادية والإحصائية عاجزة أمام تفسير حالة الجمود التي تضرب بجذورها في بعض المجتمعات، حيث تُضخ الأموال وتُستورد التكنولوجيا، بينما يبقى الواقع على حاله دون تغيير ملموس، ويعود هذا القصور، جزئيًا، إلى إغفال البعد الأعمق للأزمة، وهو البنية النفسية والعقلية للإنسان الذي يعيش داخل هذه المنظومة، ومن هنا، تطرح نظرية مصطفى حجازي حول السيكولوجية الدينامية للإنسان المقهور مقاربة تحليلية تتجاوز سطح المؤشرات المادية، لتغوص في أعماق التكوين الذهني والانفعالي للفرد المحاصر بين الاستبداد والتخلف.
وتتأسس هذه النظرية على افتراض مركزي مفاده أن التخلف لا يقتصر على كونه فقرًا ماديًا أو نقصًا في الموارد، بل هو وضعية وجودية مأزقية تُفرز نمطًا محددًا من العلاقات الإنسانية، ففي هذه الوضعية، تُسلب من الفرد فاعليته، وتُفرض عليه علاقة ارتهان كاملة لقوى قاهرة تتجاوز قدرته على السيطرة، سواء تمثلت في الطبيعة القاسية، أو في سلطة سياسية مستبدة، أو في تراتبية اجتماعية قمعية، ويولد هذا الحصار المزدوج حالة من انعدام الأمن الجذري، والإحساس العميق بالعجز، ما يدفع بنية الشخصية إلى تبني آليات دفاعية مشوهة لضمان البقاء.
وتطرح الأطروحة الدينامية مسارًا متكررًا لسيكولوجية القهر، يبدأ بمرحلة «الرضوخ والامتثال»، حيث يتماهى المقهور مع دونيته ويستبطن عجزه باعتباره قدرًا محتومًا، بل قد يصل به الأمر إلى التماهي مع قيم السلطة القامعة نفسها كآلية للنجاة، غير أن هذا الرضوخ لا يعكس سلامًا داخليًا، بل يمثل احتقانًا صامتًا يتراكم بمرور الزمن، لينتقل إلى مرحلة «الاضطهاد».
حيث يشعر الفرد بأن العالم بأسره يتآمر ضده وعندما يبلغ الضغط ذروته، يتحول هذا الكبت إلى مرحلة «التمرد»، إلا أنه غالبًا ما يكون تمردًا عشوائيًا وتخبطيًا، يفتقر إلى رؤية منهجية للتغيير، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى إجهاض ذاته والعودة مجددًا إلى مربع الرضوخ الأول.
ولتجسيد هذه الدينامية في واقع معاصر، يمكن النظر إلى استراتيجيات التنمية في بعض الدول النامية التي تستورد هياكل إدارية حديثة وتفرضها على مجتمعات ذات بنية تقليدية قمعية فالموظف في هذه الدائرة، الذي يعاني من قهر إداري واجتماعي، قد يستخدم الأدوات الحديثة، مثل التكنولوجيا، ليس فقط لزيادة الإنتاجية، بل أحيانًا لتعطيل مصالح الآخرين أو لفرض سلطة رمزية تعوض إحساسه بالدونية وهنا، يُستوعب التحديث المادي داخل شبكة من السلوكيات النفسية التعويضية التي تحد من أثره المرجو.
ويبرز في هذا السياق تباين معرفي بين نظرية سيكولوجية القهر وبين أطروحات المادية التاريخية في الفلسفة الماركسية فالماركسية الأرثوذكسية تفترض أن البنية التحتية، أي علاقات الإنتاج والاقتصاد، هي المحرك الرئيس الذي يشكل البنية الفوقية من ثقافة ووعي ونفسية، وبناءً عليه فإن تغيير النظام الاقتصادي من شأنه أن يفضي إلى تحرير الوعي.
وفي المقابل، تقترح أطروحة السيكولوجية الدينامية زاوية مغايرة، مفادها أن البنية النفسية للمقهور، بمجرد تشكلها، تكتسب ديمومة وصلابة نسبية تجعلها تقاوم التغيير فالجرح النفسي وذهنية الخضوع قد يعطلان عملية التحرر، أو يعيدان إنتاج التخلف حتى مع تغير الظروف المادية والاقتصادية، مما يجعل تحرير العقل، بحسب هذه المقاربة، شرطًا موازيًا لا مجرد نتيجة تابعة.
وتخلص هذه المقاربة التحليلية إلى أن أي محاولة لكسر طوق التخلف ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار تفكيك العقد النفسية العميقة التي تكبل إرادة الفرد، فإعادة بناء «الأنا» المقهورة، وتخليصها من عقد النقص والتبعية، تمثل – بحسب هذا الطرح – خطوة مهمة للانتقال من حالة السكون والانفعال إلى حالة الفاعلية التاريخية.

