لم تعد مشاهد الكلاب الضالة مقتصرة على الأزقة الخلفية أو الأطراف النائية للمدن، بل تحولت إلى جزء ثابث من المشهد اليومي داخل قلب العاصمة النابض.
فمن الميادين الكبرى إلى أرصفة محطات السكك الحديدية ومترو الأنفاق، باتت مجموعات الكلاب تتخذ من المنشآت الحيوية مأوى لها، مقتحمة الحواجز الأمنية وجهود العاملين للسيطرة عليها.
في محيط محطة رمسيس – الشريان الرئيسي لحركة القطارات في مصر – أصبحت هذه المجموعات ظاهرة تؤرق المسافرين والموظفين على حد سواء.
فالأمر لم يعد مجرد تجول في الساحات الخارجية، بل نجحت بعض الكلاب في التسلل إلى عمق المحطة وأرصفتها مستغلة ممرات السكك الحديدية والمسارات الجانبية.
اختراق أمني بنكهة مغامرة خوفو
يروي عاملون في محطة رمسيس أن التصدّي لمحاولات التسلل اليومية بات جزءًا من مهامهم الوظيفية؛ حيث يتم طردها بشكل مستمر، لكنها سرعان ما تجد طريقًا بديلًا للعودة.
مؤخرًا، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لكلبين استقرا بالقرب من وحدات التكييف والخدمات الداخلية بالمحطة.
المشهد أثار موجة من التعليقات الساخرة التي شبهت الواقعة بـ مغامرة الكلب الشهير الذي تسلق هرم خوفو وأشعل منصات التواصل عالميًا، لكن خلف السخرية تكمن مخاوف حقيقية تتعلق بسلامة مرفق حيوي يشهد تدفق ملايين الركاب.
بؤر عشوائية في قلب الفضاء الحضري
لا تبدو محطة رمسيس حالة فريدة؛ فالظاهرة تمتد لتشمل ساحات المترو والمواقف العامة. وتجد هذه الحيوانات بيئة مثالية للتكاثر والاستقرار نتيجة انتشار مخلفات الأطعمة التي يتركها المارة والباعة الجائلون.
وفي بعض المناطق، تحولت هذه التجمعات إلى قطعان تفرض سيطرتها على الحدائق العامة ومواقف السيارات، مما يثير ذعر المواطنين، لا سيما في ساعات الليل المتأخرة والصباح الباكر.
تحديات السلامة العامة:
يرى خبراء ومراقبون أن استيطان الكلاب الضالة لمنشآت النقل الجماعي يطرح خمسة مخاطر رئيسية:
- خطر العقر: تهديد مباشر لسلامة الركاب والموظفين.
- الذعر العام: إثارة الخوف بين الأطفال وكبار السن في أماكن مزدحمة.
- حوادث التشغيل: إمكانية تسلل الحيوانات إلى مسارات القطارات وقضبان المترو.
- عرقلة الحركة: التأثير السلبي على انسيابية حركة المشاة داخل المحطات.
- حوادث الطرق: زيادة احتمالية حوادث السير في الميادين ذات الكثافة المرورية العالية.
لماذا تفاقمت الأزمة؟
يُرجع متخصصون في الطب البيطري والبيئة هذا التنامي المطرد إلى عدة عوامل متشابكة:
- الوفرة الغذائية: غياب الإدارة الصارمة للمخلفات الصلبة وبقايا الأطعمة حول المحطات.
- الفراغ الرقابي والبيئي: غياب برامج التعقيم الدورية للحد من التكاثر الطبيعي.
- السلوك المجتمعي: ظاهرة تخلي بعض المواطنين عن حيواناتهم الأليفة في الشوارع.
- الملجأ الآمن: وجود مساحات مهجورة أو غير مستغلة بيئياً تعمل كحواضن طبيعية لها.
معادلة صعبة: بين المكافحة والرفق بالحيوان
أثبتت الإستراتيجيات القديمة القائمة على الإعدام الجماعي عدم جدواها على المدى الطويل.
وتتجه السياسات الحديثة عالميًا نحو السيطرة الإنسانية المستدامة عبر إستراتيجية (TNVR) التي تشمل التعقيم، التطعيم ضد السعار، ومن ثم إعادة الإطلاق.
ويؤكد الخبراء أن الحل الجذري يتطلب صياغة خطة عمل مشتركة تتجاوز المسكنات المؤقتة، ترتكز على:
- التوسع القومي في حملات التعقيم الطبي البيطري.
- تطوير منظومة النظافة العامة وإدارة النفايات بالميادين.
- تدشين مراكز إيواء حكومية وأهلية للحالات العقورة أو المريضة.
- سن تشريعات تمنع التخلي عن الحيوانات المنزلية، مع رفع الوعي المجتمعي لكيفية التعامل الآمن معها.
إن مشهد الكلاب الضالة في المحطات والميادين لم يعد مجرد لقطة عابرة، بل بات ملفًا معقدًا يمس الصحة العامة، وأمن النقل، وإدارة الفضاء الحضري؛ ملف ينتظر تنسيقًا عاجلاً بين الإدارات المحلية، ووزارة الزراعة، وهيئات النقل، لخلق توازن دقيق يحمي حياة الإنسان ويحترم حقوق الحيوان.

