لم تكن واقعة مغادرة لاعب منتخب مصر للمصارعة زياد حجاج مقر بعثة المنتخب في سلوفاكيا مجرد واقعة عابرة، بعدما تحولت خلال أيام إلى ملف مفتوح للتحقيق، قبل أن تتزامن معها واقعة أخرى للاعب محمد مصطفى علي الشامي، لتعود إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول أسباب مغادرة بعض الرياضيين المصريين للبعثات خلال المشاركات الخارجية وعدم العودة إلى البلاد.
وبحسب ما أعلنته وزارة الشباب والرياضة، فإن واقعة زياد حجاج تخضع للإجراءات القانونية، بعدما غادر اللاعب مقر بعثة المنتخب في سلوفاكيا، فيما كشفت الوزارة عن انتقاله من سلوفاكيا إلى التشيك، وهو ما دفعها إلى مراجعة الإجراءات الخاصة بالبعثة وكيفية حصول اللاعب على جواز سفره. كما أعلنت الوزارة لاحقًا إحالة واقعتي زياد حجاج ومحمد مصطفى علي الشامي إلى النيابة العامة.
لكن السؤال الذي يتجاوز تفاصيل كل واقعة على حدة: لماذا تتكرر مثل هذه الحالات؟ وهل يكون قرار اللاعب مرتبطًا بالمال فقط، أم أن هناك عوامل أخرى تتداخل في دفع بعض المواهب إلى البحث عن مستقبل رياضي خارج مصر؟
زياد حجاج.. واقعة جديدة تعيد فتح الملف
بدأت واقعة زياد حجاج بعد مشاركة اللاعب، البالغ 19 عامًا، مع منتخب مصر للمصارعة في بطولة العالم للشباب بسلوفاكيا.
وبحسب ما نُشر عن الواقعة، غادر حجاج مقر إقامة البعثة ولم يعد إليها، بينما نفت مصادر داخل اتحاد المصارعة وجود خلافات بين اللاعب وأفراد البعثة، مؤكدة أن التحقيقات تستهدف الوقوف على ملابسات مغادرته وتحديد المسؤوليات.
وتطورت الواقعة بعدما كشفت وزارة الشباب والرياضة أن التحريات توصلت إلى انتقال اللاعب من سلوفاكيا إلى التشيك، مع فتح تحقيق في كيفية حصوله على جواز سفره، في ظل الإجراءات المنظمة للبعثات الرياضية الخارجية.
وهنا تظهر زاوية أخرى في القضية: هل المشكلة تكمن فقط في قرار اللاعب، أم أن هناك مسؤولية إدارية يجب بحثها أيضًا؟
محمد الشامي.. واقعة ثانية في نفس التوقيت
لم يكد الجدل حول زياد حجاج يهدأ حتى ظهرت واقعة أخرى للاعب المصارعة محمد مصطفى علي الشامي، الذي غادر بعثة المنتخب خلال رحلة العودة، وفق ما أوردته تقارير صحفية، قبل أن تعلن وزارة الشباب والرياضة إحالة الواقعتين إلى النيابة العامة.
وتزامن الواقعتين يعيد طرح سؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام حالات فردية منفصلة، أم أن تكرارها داخل لعبة واحدة يستدعي الوقوف على الأسباب التي تدفع بعض اللاعبين إلى اتخاذ هذه القرارات؟
أحمد بغدودة.. عندما يتحول قرار اللاعب إلى قضية رأي عام
في مايو 2023، تصدر اسم لاعب المصارعة أحمد بغدودة المشهد بعدما غادر معسكر منتخب مصر في تونس خلال المشاركة في البطولة الأفريقية، عقب حصوله على المركز الثاني.
وأصبحت واقعة بغدودة واحدة من أشهر الحالات التي فتحت النقاش حول أوضاع لاعبي الألعاب الفردية، خصوصًا بعدما ارتبطت القضية آنذاك بالحديث عن مستقبل اللاعب والدعم الذي يحصل عليه. ويرصد أرشيف «المصري اليوم» عددًا من الحالات الأخرى للاعبين غادروا بعثات مصرية خلال مشاركات خارجية.
لكن حالة بغدودة تحمل جانبًا مهمًا في التحقيق: اللاعب الذي يرى أن مستقبله يمكن أن يكون أفضل خارج بلاده قد لا ينظر إلى قرار المغادرة باعتباره هروبًا، وإنما باعتباره محاولة لتغيير مساره الرياضي.
وهنا يصبح السؤال: هل تستطيع المنظومة الرياضية المصرية اكتشاف هذه المشكلات قبل أن يصل اللاعب إلى قرار المغادرة؟
طارق عبدالسلام.. من مغادرة المنتخب إلى تمثيل دولة أخرى
يبرز اسم طارق عبدالسلام باعتباره أحد أشهر الأمثلة في هذا الملف، فبحسب أرشيف صحفي سابق، غادر عبدالسلام معسكر المنتخب المصري واتجه إلى بلغاريا، ثم حصل على جنسيتها ومثلها في البطولات الدولية، وحقق معها نتائج بارزة.
هذه الحالة تحديدًا تطرح قضية أوسع من مجرد «الهروب»، وهي قضية استثمار الدول في المواهب الرياضية؛ فاللاعب الذي جرى اكتشافه وتدريبه داخل منظومة مصرية يمكن أن يصبح لاحقًا لاعبًا يحقق إنجازات لبلد آخر.
لم تقتصر الوقائع على بغدودة وعبدالسلام، شهدت السنوات الماضية حالات أخرى، من بينها إبراهيم غانم «الونش»، الذي تخلف عن العودة من معسكر المنتخب عام 2017، ومحمد عصام الذي غادر معسكرًا للمصارعة في إيطاليا عام 2022، إلى جانب حالات أخرى للاعبي المصارعة.
كما شهدت الرياضة المصرية حالات في ألعاب أخرى؛ ففي 2018 تناولت وسائل إعلام واقعة لاعب الجمباز عبدالرحمن مجدي، الذي انتقل إلى تركيا، قبل أن يمثلها لاحقًا باسم آدم أصيل، وتظهر المصادر أن مسألة تجنيسه واحترافه في تركيا تطورت على مراحل، ما يؤكد ضرورة التفرقة بين مغادرة البعثة، والاحتراف في الخارج، وتغيير الجنسية الرياضية؛ فهي ليست بالضرورة واقعة واحدة أو سببًا واحدًا.
هل المال هو السبب؟
ربط بعض اللاعبين السابقين أو التقارير الصحفية ظاهرة مغادرة الرياضيين بعوامل اقتصادية وضعف الإمكانات أو الدعم، خصوصًا في الألعاب الفردية، لكن اختزال الظاهرة في «الفلوس» فقط قد يكون تبسيطًا غير دقيق.
فاللاعب قد يبحث عن:
– فرص احتراف أكبر.
– جهاز فني وإعداد رياضي أفضل.
– مشاركات دولية أكثر.
– استقرار مادي يضمن استمرار مسيرته.
– فرص للحصول على جنسية وتمثيل دولة تتيح له المشاركة بصورة أكبر.
– أو ببساطة يرى أن مستقبله الرياضي خارج مصر سيكون أفضل.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار هذه الأسباب حقائق ثابتة تنطبق على جميع الحالات، لأن دوافع كل لاعب تحتاج إلى التحقق منها بشكل منفصل.
الألعاب الفردية.. لماذا تظهر فيها الظاهرة بصورة أكبر؟
تُظهر الحالات المنشورة خلال السنوات الماضية حضورًا واضحًا للاعبي الألعاب الفردية، وخاصة المصارعة، ضمن وقائع مغادرة البعثات المصرية.
ويرى تحليل نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» أن الألعاب الفردية في مصر تواجه تحديات تتعلق بالروتين والإمكانات، في مقابل وجود إغراءات وفرص في الخارج.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: اللاعب في الألعاب الفردية يعتمد بدرجة كبيرة على نفسه في صناعة اسمه، بينما تكون فرص الاحتراف والدخل والاستقرار مختلفة من لعبة إلى أخرى.
وبالتالي، فإن الحفاظ على اللاعب لا يرتبط فقط بمنعه من مغادرة البعثة، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات، من خلال اكتشاف الموهبة، وتوفير التدريب والرعاية، وتحقيق الاستقرار النفسي والمادي، ووضع مسار واضح لمستقبله.
هل العقوبات وحدها تمنع تكرار الظاهرة؟
تضع الجهات الرياضية قواعد وإجراءات لتنظيم سفر البعثات ومتابعة اللاعبين، وتتعامل الجهات المختصة مع حالات مخالفة هذه القواعد وفقًا للوائح والقانون.
وفي واقعة زياد حجاج تحديدًا، لم يتوقف التحقيق عند اللاعب، إذ أعلنت وزارة الشباب والرياضة مراجعة الإجراءات داخل البعثة والتحقق من كيفية حصول اللاعب على جواز سفره، مع التأكيد على محاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره.
وهذا يفتح بابًا مهمًا في التحقيق: إذا كانت اللوائح موجودة، فهل المشكلة في تطبيقها؟ أم في قدرة المنظومة على معالجة أسباب غضب اللاعب أو عدم رضاه قبل وصول الأمر إلى مرحلة المغادرة؟
من المهم عدم وضع جميع الحالات في سلة واحدة، فالبعض غادر بعثة ولم يعد، والبعض انتقل للاحتراف، والبعض حصل لاحقًا على جنسية دولة أخرى ومثلها رياضيًا، بينما لا تزال دوافع بعض الحالات غير معلنة بصورة رسمية.
لذلك فإن وصف كل واقعة بأنها «هروب» قد يحجب السؤال الأهم: ما الذي دفع اللاعب إلى اتخاذ القرار؟
وفي حالة زياد حجاج تحديدًا، لا تزال التحقيقات هي الفيصل في تحديد ملابسات الواقعة والمسؤوليات، ولا يصح افتراض دوافع اللاعب قبل إعلان نتائج التحقيقات الرسمية.
تكرار وقائع مغادرة بعض الرياضيين للبعثات المصرية لا يعني بالضرورة وجود سبب واحد أو أزمة واحدة داخل المنظومة الرياضية، لكنه بالتأكيد يستحق دراسة جادة بدل التعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثًا منفصلًا.
فاللاعب الذي يصل إلى المنتخب يكون قد مر بمراحل طويلة من التدريب واكتشاف الموهبة، وخسارته لا تعني فقط غياب لاعب عن بعثة، وإنما قد تعني خسارة سنوات من الاستثمار الرياضي.
ومن هنا، فإن مواجهة الظاهرة لا تتوقف عند تشديد الرقابة أو العقوبات، وإنما تحتاج إلى معرفة ما يريده اللاعبون فعلًا: هل يحصلون على الدعم الكافي؟ هل توجد مسارات واضحة للاحتراف؟ هل يشعر اللاعب أن مستقبله مضمون؟ وهل توجد جهة تستمع إلى مشكلاته قبل أن يبحث عن حل خارج البلاد؟ن
ويبقى ملف زياد حجاج، ومعه واقعة محمد الشامي، أمام التحقيقات الرسمية، لكن تكرار الوقائع السابقة يجعل السؤال مشروعًا: هل نحتاج إلى معاقبة اللاعب فقط بعد المغادرة، أم إلى اكتشاف أسباب الرحيل قبل أن يحدث؟


