أعادت تصريحات الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة والسكان السابقة، بشأن لقاحات فيروس كورونا الجدل حول واحدة من أكثر القضايا الطبية إثارة للنقاش منذ بداية جائحة كوفيد-19.
وخلال استضافتها في بودكاست «رؤية أخرى» مع الإعلامي عبداللطيف المناوي، سُئلت زايد عما إذا كان لقاح كورونا «جريمة في حق الإنسانية» أو وسيلة لتحقيق أرباح على حساب الدول، لتوضح أن وصف اللقاح بأنه جريمة في حق الإنسانية غير صحيح، لكنها أشارت إلى أن النتائج الأولية للأبحاث، بحسب تقييمها، لم تكن تثبت أنه يمنع الإصابة بالفيروس، مضيفة أن الحكم بصورة قاطعة على جدوى اللقاح يحتاج إلى سنوات من البحث والدراسة.
التصريحات سرعان ما أثارت تساؤلات: هل عدم منع اللقاح للإصابة يعني عدم جدواه؟ وهل كان هذا هو المعيار الذي صُممت اللقاحات واختُبرت على أساسه؟ أم أن هناك فرقًا بين الوقاية من العدوى والوقاية من المرض الشديد؟.
وبحسب التصريحات المنشورة عن اللقاء، أكدت هالة زايد أن وصف لقاح كورونا بأنه «جريمة في حق الإنسانية» ليس صحيحًا، لكنها تحدثت عن النتائج الأولية لأبحاث اللقاحات، مشيرة إلى أنها لم تكن ترى أنها تثبت منع الإصابة بالفيروس، كما أوضحت أن الوصول إلى حكم قاطع بشأن جدوى اللقاح يحتاج إلى سنوات من البحث والتأكد، فضلًا عن إجراء الدراسات على أعداد كبيرة من المتطوعين.
وهنا تبدأ النقطة الأساسية في الجدل: ما المقصود تحديدًا بـ«جدوى اللقاح»؟
هل منع اللقاح الإصابة أم كان هدفه مختلفًا؟
توضح منظمة الصحة العالمية أن عدم إصابة الشخص المطعم بالفيروس ليس معيارًا وحيدًا للحكم على نجاح اللقاح، إذ تؤكد أن لقاحات كوفيد-19 فعالة في الحماية من المرض الشديد والوفاة، مع إمكانية إصابة الشخص المطعم بالفيروس.
وتشير المنظمة كذلك إلى أن الأدلة الواقعية أظهرت باستمرار فاعلية لقاحات كوفيد-19 في تقليل الحالات الشديدة والوفيات، مع استمرار اللقاحات المحدثة في توفير حماية مهمة من النتائج الصحية الخطيرة.
بمعنى آخر، فإن إصابة شخص حصل على اللقاح بالفيروس لا تعني تلقائيًا أن اللقاح فشل؛ فالحماية من العدوى ليست هي نفسها الحماية من المضاعفات الخطيرة.
ماذا تقول الأدلة بعد سنوات من الجائحة؟
بعد مرور سنوات على بدء استخدام اللقاحات، أصبحت هناك قاعدة أكبر من البيانات الواقعية مقارنة بالمرحلة الأولى من الجائحة.
وتقول مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة إن لقاحات كوفيد-19 تساعد في الحماية من المرض الشديد ودخول المستشفى والوفاة، وهي فوائد مدعومة بالدراسات العلمية.
كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن فعالية الحماية من المرض الشديد والوفاة تكون أعلى خلال الأشهر الأولى بعد التطعيم، ثم تتراجع بمرور الوقت، وهو ما يفسر الحاجة إلى تحديث اللقاحات والجرعات وفق التطورات الوبائية والمتحورات.
وفي دراسة أوروبية أوردتها منظمة الصحة العالمية، أظهرت البيانات أن التطعيم ضد كوفيد-19 ساهم في منع أكثر من نصف حالات دخول المستشفيات ضمن الفئات التي شملتها الدراسة، مع تأثير إضافي في تقليل الدخول إلى العناية المركزة.
إذن.. هل كان اللقاح يمنع الإصابة؟
الإجابة العلمية الأكثر دقة هي: ليس بصورة مطلقة.
فلا يوجد لقاح يمنع الإصابة بنسبة 100%، وقد يصاب الشخص المطعم بالفيروس، خصوصًا مع تغير المتحورات وتراجع المناعة بمرور الوقت.
لكن هذا لا يعني أن اللقاح لم يقدم فائدة صحية؛ فالمعيار المهم في تقييم لقاحات كوفيد-19 أصبح يشمل قدرتها على تقليل المرض الشديد ودخول المستشفى والوفاة.
وتوضح منظمة الصحة العالمية صراحة أن اللقاحات ليست فعالة بنسبة 100% في منع الإصابة، لكنها فعالة بدرجة كبيرة في الوقاية من الحالات الخطيرة والوفاة.
وماذا عن عبارة «الحكم يحتاج 10 سنوات»؟
تثير هذه النقطة سؤالًا آخر يتعلق بالفرق بين تقييم لقاح في المراحل الأولى من ظهوره وبين متابعة فعاليته وسلامته على المدى الطويل.
عند ظهور فيروس كورونا، كان العالم أمام جائحة غير مسبوقة، وبدأت اللقاحات في الخضوع لمراحل البحث والتجارب السريرية والتقييم التنظيمي في وقت قياسي مقارنة بالمسار التقليدي لبعض اللقاحات.
لكن الحصول على بيانات طويلة الأمد لا يتوقف عند لحظة اعتماد اللقاح؛ فالدراسات والمتابعة تستمر بعد طرح أي لقاح لرصد الفعالية والآثار الجانبية والتغيرات المرتبطة بالفيروس.
وبالتالي، فإن القول إن تقييم اللقاح يحتاج سنوات من المتابعة لا يعني تلقائيًا أن اللقاح كان «بلا جدوى» خلال السنوات الأولى، كما أن ظهور بيانات جديدة لا يعني أن كل ما سبقه من بيانات أصبح بلا قيمة.
وفي المقابل، أوضح الدكتور أمجد الحداد، استشاري الحساسية والمناعة بالهيئة العامة للمصل واللقاح، أن حديث هالة زايد عن عدم جدوى اللقاحات كان يقصد به المراحل الأولى من ظهور اللقاحات، ولا يعني أن اللقاحات أثبتت عدم فعاليتها بعد تطويرها واعتمادها.
وهنا يبرز الفرق بين أمرين:
الأول: ما كانت تعرفه الأبحاث في بداية طرح اللقاحات، في ظل تطور سريع للفيروس وظهور متحورات جديدة.
والثاني: ما أظهرته الدراسات والتجارب والبيانات الواقعية بعد استخدام اللقاحات على نطاق واسع.
لماذا استمر ظهور الإصابات رغم التطعيم؟
كان استمرار إصابة بعض المطعمين أحد أكثر الأسباب التي غذت الشكوك حول اللقاحات.
لكن علميًا، لا يعني الحصول على اللقاح بالضرورة منع دخول الفيروس إلى الجسم في كل الحالات، كما أن مستوى الحماية يتأثر بالوقت منذ آخر جرعة، والمناعة السابقة، والعمر والحالة الصحية، فضلًا عن خصائص المتحورات.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الحماية من المرض الشديد والوفاة تتراجع مع الوقت، وهو ما يجعل تحديث التطعيمات والجرعات جزءًا من استراتيجية الحفاظ على الحماية لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر.
هل كانت اللقاحات بلا مخاطر؟
مثل أي دواء أو لقاح، لا تخلو لقاحات كوفيد-19 من احتمالية حدوث آثار جانبية، وهو أحد الأسباب التي تجعل أنظمة الترصد والمتابعة الدوائية جزءًا أساسيًا من برامج التطعيم.
لكن تقييم اللقاح لا يتم من خلال رصد أي أثر جانبي منفرد، وإنما من خلال مقارنة الفوائد والمخاطر على مستوى السكان والفئات المختلفة، مع استمرار تحديث البيانات العلمية.
الخلاصة: أين تكمن الحقيقة؟
الجدل الذي أثارته تصريحات هالة زايد يعكس في جانب منه اختلاطًا بين مفهوم منع الإصابة ومفهوم الحماية من النتائج الخطيرة للمرض.
فإذا كان السؤال هو: هل منعت اللقاحات كل إصابات كورونا؟ فالإجابة هي لا.
أما إذا كان السؤال: هل أظهرت الأدلة العلمية فائدة للقاحات في تقليل المرض الشديد ودخول المستشفيات والوفيات؟ فالأدلة الدولية الحالية تجيب بنعم، ومنظمة الصحة العالمية تؤكد استمرار فاعلية لقاحات كوفيد-19 في الحد من المرض الشديد والوفاة، بينما تؤكد مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الفوائد نفسها.
وبذلك، فإن عبارة «اللقاح لم يكن ذا جدوى» تحتاج إلى تحديد المقصود منها وزمن إطلاق الحكم عليها؛ لأن عدم منع العدوى بصورة كاملة لا يساوي انعدام الفائدة الطبية.
وفي النهاية، فإن تقييم أي لقاح لا ينبغي أن يستند إلى تصريح منفرد أو تجربة شخصية، وإنما إلى مجمل الأدلة العلمية، ونتائج التجارب السريرية، وبيانات المتابعة الواقعية، وتقييم الجهات الصحية المختصة.



