بقلم: السيد الحراني
لم يكن صباح المدينة المنورة بعد وفاة النبي محمد ﷺ صباحًا عاديًا في تاريخ العرب أو المسلمين فقد خيم الحزن على البيوت والطرقات وارتجفت القلوب أمام الحدث الأعظم الذي لم يتخيل كثيرون أنه سيأتي يومًا.. الرجل الذي وحد القبائل المتناحرة وأقام دولة من رمال الصحراء وغرس دينًا جديدًا في قلوب الملايين قد رحل فجأة تاركًا وراءه سؤالًا سياسيًا لم يسبق أن واجهته الجماعة الإسلامية الناشئة «من يقود الأمة بعد النبي؟».
في تلك الساعات الحرجة بينما كان أهل بيت النبي وبعض كبار الصحابة منشغلين بتجهيزه ودفنه كانت المدينة تشهد واحدة من أكثر اللحظات حساسية وتأثيرًا في التاريخ الإسلامي كله.. لحظة انعقاد اجتماع «سقيفة بني ساعدة» الاجتماع الذي سيحدد مصير الدولة الإسلامية ويرسم خطوط الانقسام السياسي والمذهبي التي امتدت آثارها عبر القرون.
كان النبي محمد ﷺ قد نجح خلال سنوات قليلة في بناء كيان سياسي وديني غير مسبوق في الجزيرة العربية غير أن المصادر التاريخية تشير إلى أنه لم يترك نصًا صريحًا متفقًا عليه بين جميع المسلمين يحدد آلية اختيار الحاكم من بعده وهو ما جعل مسألة الخلافة مفتوحة على الاجتهاد والتأويل.
وبمجرد انتشار خبر الوفاة ظهرت المخاوف من حدوث فراغ سياسي قد يعصف بالدولة الفتية فالقبائل العربية التي دخلت الإسلام حديثًا كانت لا تزال تحتفظ بولاءات قبلية قوية وبعضها كان ينتظر أي فرصة للتمرد أو الانفصال.
وسط هذه الأجواء تحرك الأنصار وهم أهل المدينة الذين ناصروا النبي وآووه بعد الهجرة لعقد اجتماع عاجل في «سقيفة بني ساعدة» وهي قاعة اجتماعات قبلية معروفة كانت تستخدم للتشاور واتخاذ القرارات الكبرى حيث شعر الأنصار أن لهم حقًا سياسيًا كبيرًا في قيادة الدولة الجديدة فهم الذين احتضنوا الدعوة عندما ضاقت بها «مكة» وهم الذين قاتلوا إلى جانب النبي في «بدر» و«أحد» و«الخندق» وغيرها من المعارك.
وفي السقيفة اجتمع كبارهم حول زعيم الخزرج «سعد بن عبادة» الذي طُرح اسمه مرشحًا لتولي القيادة كان المنطق الذي استند إليه الأنصار واضحًا «لقد تحملوا أعباء تأسيس الدولة وحمايتها ومن حقهم أن يكون لهم الدور الأبرز في قيادتها» لكن المسألة لم تكن بهذه البساطة فالدولة الإسلامية لم تعد مجرد مدينة أو قبيلة بل أصبحت كيانًا يمتد نفوذه عبر معظم الجزيرة العربية وكانت قريش لا تزال تمثل الثقل السياسي والاجتماعي الأكبر في نظر العرب.
لم يطل الوقت حتى وصل خبر اجتماع الأنصار إلى «أبي بكر الصديق» و«عمر بن الخطاب» و«أبي عبيدة بن الجراح» حيث أدرك الرجال الثلاثة خطورة الموقف فسارعوا إلى السقيفة خشية أن يتم اتخاذ قرار مصيري في غياب المهاجرين وهناك بدأت واحدة من أشهر المناقشات السياسية في التاريخ الإسلامي فتحدث الأنصار عن فضلهم وسابقتهم في نصرة الإسلام بينما أكد المهاجرون أن العرب لن تقبل بقيادة أحد خارج «قريش» القبيلة التي ينتمي إليها النبي والتي كانت تتمتع بمكانة مركزية بين القبائل العربية.
كان النقاش محتدمًا لكنه لم يخل من الحرص على تجنب الانقسام وفي خضم الجدل طرح بعض الأنصار صيغة وسطية تقوم على وجود قائد من الأنصار وآخر من المهاجرين فيما عُرف بعبارة «منا أمير ومنكم أمير» وبدت الفكرة محاولة لتوزيع السلطة وتجنب الصدام لكنها واجهت اعتراضًا شديدًا من «عمر بن الخطاب» وغيره ممن رأوا أن الدولة لا يمكن أن تدار بقيادتين متوازيتين حيث كان الخوف الأكبر أن يؤدي تعدد مراكز القرار إلى تفكك الوحدة التي بنيت بشق الأنفس خلال سنوات الدعوة والحروب.
عند هذه النقطة تقدم «أبو بكر الصديق» بخطاب أصبح من أشهر خطابات التاريخ الإسلامي أشاد بمكانة الأنصار وفضلهم لكنه أكد أن العرب لن ترضى إلا بقيادة من «قريش» لإنه سمع النبي ﷺ يقول «الأئمة من قريش» كما استشهد بمعنى أحاديث أخرى تفيد أن العرب كانت تعرف لقريش مكانتها وريادتها وأن الناس يتبعونها في هذا الشأن وبناءً على ذلك رأى أن الخليفة ينبغي أن يكون من «قريش» لا من غيرها ثم طرح اسمين للخلافة هما «عمر بن الخطاب» و«أبو عبيدة بن الجراح» غير أن المفاجأة جاءت من «عمر» نفسه الذي بادر إلى الإمساك بيد «أبي بكر» معلنًا مبايعته معتبرًا أنه الأحق بالخلافة لكونه رفيق النبي في الهجرة وصاحبه الأقرب في كثير من المواقف وتبعه عدد من الحاضرين في البيعة لتتحول المبادرة سريعًا إلى إجماع سياسي واسع داخل السقيفة.
رغم نجاح البيعة في منع حدوث فراغ سياسي فإن أحداث السقيفة لم تمر دون جدل فبعض الصحابة البارزين وعلى رأسهم «علي بن أبي طالب» و«العباس بن عبد المطلب» وعدد من بني هاشم لم يكونوا حاضرين الاجتماع لانشغالهم بتجهيز النبي ودفنه ومن هنا بدأ سؤال تاريخي طويل «هل كان ينبغي انتظار اجتماع أوسع يضم جميع كبار الصحابة؟ أم أن سرعة اتخاذ القرار كانت ضرورة فرضتها الظروف السياسية والأمنية؟» هذا السؤال ظل محل نقاش بين المؤرخين والمدارس الفكرية الإسلامية المختلفة حتى يومنا هذا.
مع مرور الزمن تحولت أحداث السقيفة من مجرد خلاف سياسي حول آلية اختيار الحاكم إلى أحد أهم الملفات المؤسسة للانقسام «السني / الشيعي» فالمدرسة السنية رأت في ما جرى نموذجًا للشورى والاجتهاد السياسي الذي حفظ وحدة الأمة ومنع انهيار الدولة.. أما المدرسة الشيعية فاعتبرت أن الخلافة كانت حقًا لـ«علي بن أبي طالب» استنادًا إلى نصوص وتأويلات دينية ترى أنها كانت تشير إلى أحقيته بالقيادة بعد النبي وهكذا أصبحت ساعات السقيفة القليلة نقطة انطلاق لمسار تاريخي امتد قرونًا وشكل جانبًا مهمًا من الخريطة السياسية والفكرية للعالم الإسلامي.
بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا مازالت سقيفة بني ساعدة حاضرة في الذاكرة الإسلامية فهي لم تكن مجرد اجتماع سياسي عابر بل لحظة اختبار كبرى واجهت فيها الأمة الإسلامية أول سؤال يتعلق بالسلطة والحكم بعد عصر النبوة وفي ذلك المكان المتواضع من المدينة لم يكن الصحابة يتجادلون حول شخص يحكم فحسب بل كانوا يرسمون ملامح مستقبل دولة ناشئة ستصبح لاحقًا واحدة من أكبر الحضارات في التاريخ.
لقد انتهى اجتماع السقيفة وانفض الحاضرون وبويع «أبو بكر» خليفة للمسلمين لكن الأسئلة التي ولدت هناك لم تنته أبدًا بل بقيت تتردد في كتب التاريخ وفي النقاشات الفكرية وفي الوعي الإسلامي العام بوصفها اللحظة التي انتقل فيها المسلمون من زمن النبوة إلى زمن السياسة.

