“فتاة الصف”.. حين تصنع الشاشاتُ القتلةَ !

نورچيهان عبدالرحمن

بقلم : نورچيهان عبدالرحمن

لم تكن الدماءُ التي أُريقت على أعتاب قرية “الشوبك الشرقي” مجردَ جريمة أسرية تُطوى صفحاتُها في دفاتر الحوادث ، بل كانت إعلانًا صارخًا عن تحوّل الهواتف الذكية في أيدينا إلى شفرات حادة تُمارس القتل بالضغط .

أخبار متعلقة

التصوير والتشهير.. عفواً أيها القانون! 

نهى الزيني تكتب من تحت الأنقاض

فلسطينيو الضفة الغربية بين الحياة اليومية والخلاص الوطنيّ

الانتخابات الإسرائيلية.. هل تكون نقطة تحول في مستقبل نتنياهو واليمين؟

فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها ، تحولت في لحظات من ضحية استغلال وتغرير إلى وجبة رقمية دسمة ، تتغذى عليها الخوارزميات وتتسارع من حولها التعليقات والمشاركات الرقمية .

بدأت المأساة بمنشور استغاثة بحثًا عن فتاة غائبة ، لكن السيرك الرقمي لم يرحم براءتها ، وما إن أعلنت الجهات الرسمية كشف ملابسات الواقعة ، حتى اقتطعت المنصات الإخبارية وصفحات “التريند” البيانات التفصيلية ، وصاغتها بعناوين مثيرة منزوعة الإنسانية ، حيث نُصبت للفتاة محكمةُ تفتيشٍ علنية على الشاشات الرقمية ، محكمةٌ لا تعرف الاستئناف ولا ترحم حداثة السن ، وصمت الضحية بالعار وأرسلت رسائل بالإدانة إلى هاتف أسرتها على مدار الساعة .

تحت هذا الوباء الرقمي ، وقعت الأسرة وشقيق الفتاة في مصيدة “الهستيريا الجمعية” ، حيث لم يعد الضغط مجرد كلامٍ يُقال في أزقة القرية ، بل تحول شريط الإشعارات المستمر إلى سوطٍ يجلد نسيج البيت الداخلي ، وشحنٍ نفسي متواصل يُذكي نار الشرف المغلوط ، وفي لحظة انغلاقٍ عقلي كامل ، اندفع الشقيق لإشهار السلاح وإراقة دم شقيقته فور عودتها ، ظنًا منه أن القتل هو الوسيلة الوحيدة لإسكات خوارزمياتٍ لا تشبع من التشهير بالسمعة .

تأتي هذه الفاجعة لتنسف كل الادعاءات التي تتستر بالدين أو العرف ، فالشريعة الإسلامية التي حظرت القتل العمد وجعلته من كبائر الذنوب ، لا تعرف ما يُسمى بـ “جرائم الشرف” ، وتجعل إقامة العدل حصريًا للقضاء لا للأهواء الفردية ، كما جعل الشرع الستر أصلًا ، وعَظّم من حماية الأطفال والقصر ، واعتبر الخوض في الأعراض والتشهير الرقمي إثمًا مغلظًا وشراكةً مباشرة في الجريمة .

ومن الزاوية النفسية ، حُرِمت الفتاة من حقها في التعافي من صدمة الاستغلال ، ليُعاجلها المجتمع بالقتل الفعلي بعدما أجهز عليها معنويًا ونفسيًا .

لكن المأساة لم تنتهِ بسقوط جثة الفتاة ، بل بدأت الجحيم الحقيقي للجميع ، فما إن أفاق الشقيق من ذروة الشحن النفسي وسلّم نفسه للشرطة ، حتى اصطدم بالواقع المُر: لم يُغسل العار كما توهم ، ولم تصمت ألسنة المنصات ، بل تحول هو نفسه إلى “تريند جديد” وجاني يُواجه عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد ، ليعيش تحت وطأة الشعور القاتل بالذنب والصدمة النفسية اللاحقة للجريمة .

أما الأسرة ، فقد انهارت تمامًا وانفرط عقدها ، فبدلاً من أن تفقد فتاة واحدة ، فقدت الابنة القتيلة والأخ القاتل المحبوس ، وتحول البيت إلى شبحٍ يطوقه الخراب والصمت ، وتحولت ألسنة التواصل الاجتماعي التي حرضتهم بالأمس إلى جلدِهم اليوم بتهمة الجهل والتوحش .

رحلت “فتاة الصف” ، وتدمرت أسرتها بالكامل ، لتترك هذه القضية جرحًا غائرًا في ضمير الإعلام الرقمي والمجتمع ، إنها تذكيرٌ مرعب بأن الكلمة على الشاشة لم تعد مجرد رسائل إلكترونية ، بل قد تتحول إلى رصاصةٍ قاتلة ، حين تتجرد الخوارزميات من الإنسانية ، ويتحول البحث عن “التفاعل” إلى غاية تُبرر قتل الأرواح ، نصبح جميعًا بضغطة واحدة أو مشاركة غير مسؤولة شركاء صامتين في سلب الحياة وانهيار أخلاقيات المجتمع .

إلى كل أسرة مصرية : احتضنوا أبناءكم قبل أن تحتضنهم الشاشات ، فالإنصات الواعي والمصادقة في البيوت هما الجدار الأول للحماية قبل أن تبتلعهم فوضى العالم الرقمي .

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

التصوير والتشهير.. عفواً أيها القانون! 

نهى الزيني تكتب من تحت الأنقاض

فلسطينيو الضفة الغربية بين الحياة اليومية والخلاص الوطنيّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2