حكاية «العم حسن» التي أبكت المصلين.. لم يكن المصلون في أحد مساجد حي فيصل بالقاهرة يتوقعون أن تكون لحظة وداعهم لـ«العم حسن» بائع الخضار القريب من المسجد، بداية فصل جديد من قصة استثنائية حملت الرجل من أحد شوارع القاهرة إلى قاعات جامعة في ألمانيا.
حكاية «العم حسن» التي أبكت المصلين
كان «العم حسن» بالنسبة لأهالي المنطقة بائع خضار بسيطًا اعتادوا رؤيته يوميًا، يبيع ما تيسر من الخضروات، ويتبادل الحديث مع المارة والمصلين، حتى أصبح وجهًا مألوفًا في المكان.
لكن خلف هذا المشهد البسيط، كانت هناك قصة مختلفة تمامًا.
فالرجل الذي عرفه البعض كبائع خضار، هو في الأصل البروفيسور حسن، أستاذ متخصص في الفيزياء وعميد كلية سابق بجامعة الخرطوم، قبل أن تجبره الظروف التي مر بها السودان على مغادرة بلاده والبحث عن حياة جديدة في مصر.
حلم لم ينتهِ عند عربة الخضار
لم تسمح الظروف للبروفيسور حسن بأن يعيش حياته الأكاديمية بصورة طبيعية، لكن ذلك لم يكن كافيًا ليجعله يتخلى عن علمه أو خبرته أو حلمه في العودة إلى قاعات التدريس.
وبينما كان يعمل في بيع الخضار في منطقة فيصل لتوفير احتياجاته، ظل يبحث عن فرصة تعيده إلى المجال الذي قضى سنوات من عمره فيه.
وفي أحد الأيام، لفت انتباهه إعلان عن وظيفة أستاذ كيمياء في إحدى الجامعات الألمانية الشهيرة، فلم يتردد في التقدم للوظيفة.
أرسل سيرته الذاتية، وشهاداته، وخبراته الأكاديمية، لينضم إلى قائمة ضمت مئات المتقدمين من مختلف أنحاء العالم.. ثم بدأ الانتظار.
مكالمة غيّرت كل شيء
بعد فترة، تلقى البروفيسور حسن اتصالًا من الملحقية الثقافية بالسفارة الألمانية في القاهرة.
لم تكن المكالمة عادية؛ فقد حملت إليه خبر اختياره للوظيفة.
الرجل الذي كان يبيع الخضار في شوارع فيصل، ويعود إلى منزله بعد يوم طويل من العمل، أصبح أمام فرصة جديدة للعودة إلى حياته الأكاديمية التي توقفت بفعل الظروف.
ذهب إلى السفارة الألمانية، حيث قوبل بحفاوة، واستُكملت الإجراءات الخاصة بسفره، وتسلمت الجهات المختصة جواز سفره، قبل تحديد موعد سفره وحجز تذكرة الطيران، وهكذا، بدأ فصل جديد في حياة الرجل الذي لم يتخلَّ عن حلمه رغم كل ما مر به.

من «العم حسن» إلى «الأستاذ حسن»
في المسجد الذي اعتاد المصلون رؤيته بالقرب منه، كان الوداع مختلفًا هذه المرة.
لم يكن وداع بائع الخضار الذي عرفوه فقط، وإنما وداع رجل حمل معه قصة وطن اضطر إلى تركه، وحلمًا أكاديميًا رفض أن يموت.
قصة البروفيسور حسن تختصر حكايات كثيرة لنازحين ولاجئين سودانيين أجبرتهم الظروف على مغادرة بلادهم، وبدء حياتهم من جديد في أماكن لم يختاروها.
لكنها في الوقت نفسه تحمل رسالة مختلفة: قد تتغير الظروف، وقد يضطر الإنسان إلى البدء من الصفر، لكن العلم والخبرة والإصرار يمكن أن يفتحوا بابًا جديدًا للحياة.
من بائع خضار في فيصل إلى أستاذ جامعي في ألمانيا، لم تتغير قيمة الرجل، وإنما تغيّر المكان الذي ستظهر فيه قيمته من جديد.
خسروا الوطن ولم يخسروا أحلامهم.. معاناة السودانيين بين اللجوء والبحث عن بداية جديدة
وتتجاوز قصة البروفيسور حسن تفاصيل رحلته الشخصية، لتسلط الضوء على جانب من معاناة آلاف السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بحثًا عن الأمان، بعدما وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد فرض عليهم ترك منازلهم وأعمالهم ومكانتهم المهنية والبدء من جديد في ظروف قاسية.
كثيرون من أصحاب الشهادات والخبرات اضطروا للعمل في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتهم، فقط لتوفير احتياجاتهم الأساسية، بينما ظل حلم العودة إلى حياتهم الطبيعية حاضرًا في داخلهم.
وبينما تبدأ رحلة اللجوء غالبًا بالخوف وفقدان الاستقرار، فإن قصص النجاح الصغيرة، مثل قصة البروفيسور حسن، تمنح أصحابها فرصة لاستعادة جزء من حياتهم التي توقفت، وتؤكد أن الإنسان قد يخسر وطنه ومكانه، لكنه لا يخسر بالضرورة علمه وطموحه وقدرته على البدء من جديد.

