حذرت صحيفة «معاريف» العبرية من خطورة المرحلة التي تمر بها إسرائيل على المستويين السياسي والعسكري، معتبرة أن البلاد وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها الأدوات والممارسات السياسية التقليدية كافية للتعامل مع أزماتها، وأنها باتت بحاجة إلى ما وصفته بـ«الإنقاذ الوطني».
وقالت الصحيفة، في تحليل نشرته، إن فوز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقررة الشهر المقبل، خلافًا لتوقعات استطلاعات الرأي، قد يدفع إسرائيل نحو «كارثة فادحة» يصعب تصور تداعياتها.
وأضافت أنه في حال خسارة نتنياهو، وفقًا لما تتوقعه استطلاعات الرأي، فإن المعارضة ستتولى إدارة دولة تواجه مجتمعًا يعاني من صدمة عميقة، ومؤسسات تعاني الضعف، وعزلة دولية متزايدة تهدد مستقبلها، الأمر الذي يستدعي من القيادة الجديدة التعامل مع الوضع باعتباره «مهمة إنقاذ وطني».
وأشارت «معاريف» إلى أن مكانة إسرائيل الدولية شهدت تراجعًا كبيرًا، سواء في الأوساط السياسية أو الإعلامية بالولايات المتحدة وأوروبا، محذرة من أن الوضع أصبح أكثر خطورة مما يدركه كثيرون.
واعتبرت الصحيفة أن إسرائيل تواجه «حالة طوارئ حقيقية»، محذرة من أن استمرار عزلتها قد يقود إلى تدهور اقتصادي واجتماعي وعسكري، وتحولها إلى دولة هشة ومكشوفة.
وأكدت أن الأزمات مترابطة؛ فالاحتلال والحروب يسهمان في زيادة العزلة الدولية، التي تنعكس بدورها على الاقتصاد والأمن القومي، بينما تؤدي الاختلالات السياسية والمالية الداخلية إلى مزيد من إضعاف الدولة، بما يشكل حلقة مفرغة يتعين على الحكومة المقبلة كسرها.
وحذرت الصحيفة من أن الوقت ينفد قبل حدوث انهيار مؤسسي، مستعرضة مجموعة من الإجراءات التي اعتبرتها «مهام عاجلة» ضمن خطة للإنقاذ الوطني.
دعت «معاريف» إلى تشكيل لجنة تحقيق حكومية مستقلة للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر، بعيدًا عن أي محاولات للتأثير على نتائجها.
كما طالبت بالتراجع عن التغييرات القانونية والدستورية التي أقرها ائتلاف نتنياهو، خصوصًا التشريعات التي أضعفت، بحسب الصحيفة، صلاحيات المستشار القضائي للحكومة واستقلالية المحاكم والمستشارين القانونيين وهيئات الرقابة.
وشددت على ضرورة التأكيد أن الوزراء، شأنهم شأن جميع المواطنين، ملزمون بأحكام القضاء، معتبرة أن أي إصلاح للنظام القضائي يمكن مناقشته مستقبلًا، ولكن من خلال حوار هادئ وتوافق سياسي ومجتمعي واسع.
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، رأت الصحيفة أن سنوات من الفرص الدبلوماسية الضائعة أسهمت في زيادة عزلة إسرائيل وتقويض أمنها، داعية إلى تحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية ودبلوماسية.
الموافقة على خطة ترامب في غزة
طالبت «معاريف» إسرائيل بإعلان قبولها للإطار العام لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، والالتزام بتنفيذها بحسن نية.
وبحسب الصحيفة، فإذا نفذت حركة حماس عملية نزع سلاح فعلية، فعلى إسرائيل الانسحاب وفقًا لما تنص عليه الخطة، والتعاون مع القوة الدولية ومجلس السلام، وقبول السلطة الفلسطينية التي ستتشكل في إطار الخطة، دون وضع عراقيل أمام تنفيذها.
كما دعت إلى مشاركة إسرائيل بصورة فاعلة في إعادة إعمار قطاع غزة، والمساهمة في حشد التمويل العربي والدولي اللازم لذلك.
وضع حد للعنف اليهودي في الضفة الغربية
ودعت الصحيفة إلى إنهاء ما وصفته بالحصانة التي يتمتع بها المتطرفون اليهود المتورطون في أعمال عنف، وحظر المنظمات المتورطة في أعمال إرهابية، ومصادرة الأسلحة غير القانونية، وتفكيك البؤر الاستيطانية التي تشهد أعمال عنف، إلى جانب إنشاء آلية تضمن محاسبة المتورطين.
كما طالبت بإصدار تعليمات واضحة إلى الجيش الإسرائيلي تقضي باعتبار حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين جزءًا من مهامه.
وطالبت «معاريف» بكبح التوسع الاستيطاني خارج الجدار الأمني، ووقف البناء في المستوطنات المعزولة الواقعة في عمق الضفة الغربية، بما يحافظ، وفق رؤيتها، على إمكانية تقسيم الأراضي مستقبلًا.
وأشارت إلى أنه رغم صعوبة تصور إقامة دولة فلسطينية في ظل استمرار احتفاظ حركة حماس بسلاحها وعدم إصلاح السلطة الفلسطينية، فإنه يتعين على إسرائيل عدم اتخاذ خطوات تجعل إقامة الدولة الفلسطينية مستحيلة.
واقترحت الصحيفة إمكانية الإعلان عن بقاء الكتل الاستيطانية الكبرى، مثل «ألفي منشيه» و«معاليه أدوميم» و«غوش عتصيون»، تحت السيطرة الإسرائيلية ضمن أي تسوية مستقبلية، مع تقديم حوافز للإسرائيليين المقيمين خارج الجدار الأمني للعودة إلى داخل إسرائيل.
ودعت «معاريف» إلى منح لبنان وسوريا فرصة لبدء مرحلة جديدة، مع إعلان إسرائيل عدم وجود أطماع إقليمية لديها في البلدين تتجاوز هضبة الجولان، والعمل على إبرام اتفاقيات عدم اعتداء.
كما طالبت بتقييم مدى جدية الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع في التوجه نحو السلام، والترحيب بها إذا ثبتت هذه الرغبة، إلى جانب تقديم الدعم اللازم للبنان في مواجهة «حزب الله».
وبالنسبة إلى إيران، دعت الصحيفة إلى استبدال ما وصفته بحرب الاستنزاف باستراتيجية طويلة الأمد، بالتنسيق مع الولايات المتحدة والحلفاء، تجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية والضغط الاقتصادي.
كما طالبت بوقف الضربات التي تفتقر إلى التنسيق أو المبرر أو الهدف الواضح، والعمل على تعزيز التواصل مع السعودية استنادًا إلى خطة ترامب، التي تتضمن موافقة مبدئية على صيغة ما لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية.
مصر والأردن أولوية
وشددت الصحيفة على ضرورة تعزيز العلاقات مع مصر والأردن، وتقديم الشكر لهما على الحفاظ على اتفاقيات السلام لعقود رغم الظروف الصعبة، والاستماع إلى مواقفهما بجدية.
ودعت إلى تعميق العلاقات الاقتصادية والأمنية والثقافية مع البلدين، معتبرة أن التحدي الأكبر أمام إسرائيل لا يكمن في محيطها الإقليمي، وإنما في أزماتها الداخلية.
واقترحت «معاريف» إعلان الجريمة المنظمة في البلدات العربية حالة طوارئ وطنية، وزيادة الوجود الشرطي عند الحاجة، وملاحقة مصادر تمويل المنظمات الإجرامية وشبكات الأسلحة غير القانونية، مع محاسبة المسؤولين عن التقصير.
كما دعت إلى الاعتراف بأن مقتل أي مواطن عربي يمثل مأساة لإسرائيل، وإجراء تعديلات على «القانون الأساسي: كرامة الإنسان وحريته» الصادر عام 1992، بما يضمن المساواة بصورة صريحة.
وطالبت أيضًا بوضع آليات شفافة وعادلة لتمويل السلطات المحلية العربية، وإطلاق مشروع وطني لتطوير البنية التحتية والخدمات، إلى جانب فتح حوار جاد مع القيادات العربية بشأن الخدمة الوطنية.
ودعت الصحيفة إلى إعادة توجيه الموارد نحو تطوير النقب والجليل، بدلًا من إنفاقها على المستوطنات المعزولة والأجندات القطاعية والسياسية.
واقترحت استثمار مليارات الدولارات في الطرق والسكك الحديدية والإسكان والمستشفيات والجامعات والصناعة، مع تقديم حوافز ضريبية للشركات والأسر، وفي شمال إسرائيل، دعت إلى إنشاء شبكة نقل متكاملة تربط بين حيفا وعكا والناصرة وكرميئيل وطبريا وكريات شمونة.
وطالبت «معاريف» بتعديل القانون الأساسي لمنع أي شخص يواجه اتهامات بارتكاب جرائم فساد جسيمة من تشكيل حكومة، واعتبرت الصحيفة أن التجربة الحالية أظهرت وجود تضارب مصالح واسع، فضلًا عما وصفته بأنه «وصمة عار وطنية».
تحذير من مستقبل إسرائيل
وخلصت «معاريف» إلى أن عدم تنفيذ هذه الإجراءات وغيرها قد يجعل من الصعب على إسرائيل، بحسب تقديرها، الوصول إلى الذكرى المئوية لتأسيسها عام 2048.
وحذرت من أن استمرار الاندماج مع سكان فلسطينيين معادين، بالتزامن مع النمو الديموغرافي المتسارع لليهود الحريديم، وفي ظل غياب إصلاحات جذرية، قد يؤدي إلى إضعاف تحالفات إسرائيل، وعرقلة وصولها إلى الأسواق العالمية، ودفع قطاعات من الاقتصاد المنتج إلى مغادرة البلاد.
وخلصت الصحيفة إلى أن النتيجة النهائية قد تكون، بحسب تعبيرها، تحول إسرائيل إلى «غيتو فقير وممزق بالصراعات» يفتقر إلى مقومات الاستمرار.

