الكاتب الصحفي الحسيني عبد الله يكتب: روح وطن

الحسيني عبدالله
الحسيني عبدالله

حكايات مصيرية

يا نيل أنا واللي أحبه .. نشبهك بصفاك

أخبار متعلقة

«قبل ما تدفع.. شوف الـ«بلاك ليست»»

طلال أبو غزالة: تعلم حتى أراك 

70 عامًا على الواقعة.. لماذا لا تزال قضية البابا يوساب تُدرس؟

سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

لِنت ورِقّت قلوبنا .. لما رَقّ هواك

وصفونا في المحبة .. هو هو صفاك

ما لناش لا إحنا ولا أنت .. في الحلاوة مثيل

في عام 1955، شدَت سيدة الغناء العربي “أم كلثوم” بهذه الكلمات من أغنية “شمس الأصيل”، التي كتبها بيرم التونسي، ولحنها الموسيقار رياض السنباطي، وصف فيها الحب الحقيقي بصفاء النهر، وهي الحقيقة الخالدة في حياة المصريين الذين طالما عُرِفت حضارتهم بغنائهم وتغزلهم في نهر النيل. وقد حمل أحد كبار شعراء مصر لقب “شاعر النيل” وهو “حافظ إبراهيم”؛ حيث ولد على متن سفينة رست على شاطئ النيل بمحافظة أسيوط وتغزل في النيل كثيراً.

ولم يتوقف الغناء للنيل منذ أن عرف المصريون فن الغناء وسُجلت الأغاني؛ فقد غنى للنيل معظم نجوم الأغنية بداية من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وحتى محمد منير وشيرين عبد الوهاب ونجاح سلام. بل وكانت هناك قصائد تُكتب خصيصاً للنيل ومنها “النهر الخالد” للشاعر محمود حسن إسماعيل، والتي تؤكد أن النيل يمر في قلوب المصريين ويسري مسرى دمائهم في عروقهم.

وتعد أغنية أم كلثوم “النيل” واحدة من أهم ما قُدّم عن النيل، وهي لأمير الشعراء أحمد شوقي ولحنها رياض السنباطي. وقد غنت أم كلثوم للنيل في أكثر من مناسبة؛ إذ كانت لها أكثر من أغنية منها “سلاماً شباب النيل” للشاعر الكبير إبراهيم ناجي.

وغنى الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب للنيل كثيراً، ولعل أغنيته الشهيرة “النيل نجاشي” من أجمل ما قدم للنيل، وهي للشاعر الكبير أحمد شوقي. كما غنى أيضاً “العندليب الأسمر” للنيل أغنيته الشهيرة “يا حلو يا أسمر” التي كانت أولى أغنياته في الإذاعة، من كلمات سمير محجوب وألحان محمد الموجي.

وغنى للنيل عشرات المطربين؛ ومنهم نجاح سلام التي قدمت للنيل أغنية “أنا النيل مقبرة للغزاة” من كلمات محمود حسن إسماعيل. ولم تتوقف الأغنيات التي تمجد النيل مع تعاقب الأجيال؛ إذ غنى له محمد منير أغنية “عروسة النيل”، وتعد أغنية شيرين عبد الوهاب “ما شربتش من نيلها” هي أكثر الأغنيات الحديثة التي حققت انتشاراً ونجاحاً. وأيضاً غنت نادية مصطفى “أبدع حلاوتك يا نيل” من كلمات جمال عبده صالح وألحان إبراهيم رأفت.

الحكاية بدأت منذ سبعة آلاف عام بالاحتفال بعيد “وفاء النيل” الذي كان يمثل التقويم عند المصريين القدماء؛ فعندما يفيض النهر يكون ميلاد عام جديد، فكانوا يستقبلون الفيضان بالفرح الشديد؛ فهو الخير القادم لإعادة الحياة والخصوبة لأرض مصر بعد فصل الصيف الحار وقلة المياه بالنهر. وقد تأثر الفكر الديني كثيراً بفصول السنة؛ فكان “التل الأزلي” -وهو العامل المشترك بين كل أساطير الخلق التي تفسر بداية الكون- ما هو إلا تلك الأرض التي تبرز وترتفع أثناء انحسار الفيضان، وأحياناً يطلق المصري على الفيضان عند وصفه لشدته اسم (نون).

وقد خصص المصري القديم معبوداً للفيضان ومنحه صفات تتناسب وقوة اندفاعه، وصفات تتفق وما يحمله من خير وخصوبة، كما ارتبط معبود الفيضان بعروش الملوك؛ فهو الذي يمنح الملك الخصوبة والخير، والذي يمنحه الملك بدوره إلى شعبه. وغالباً ما صُوِّر “حابي” إله النيل على جدران المعابد في الصف الأسفل ليرمز إلى أنه أساس المعبد وضامن الخيرات والقرابين المقدمة لمعبودات المعبد.

كما ارتبط بالفيضان معبودات أخرى خاصة “خنوم” الذي يتحكم في مياه الفيضان فيرسلها أو يمسكها، وهو صانع البشر من طمي الفيضان. وكان “أوزيريس” رباً لكل الفصول؛ فهو القوة الكامنة في الفيضان وهو الثور الأسود لون طمي الفيضان، وهو الذي تنشق عنه الأرض وتعود روحه كما تعود الروح إلى البذرة الميتة، وهو رب الحصاد حيث يتحول إلى “نبري”.

أنشودة النيل في عهد الفراعنة

يذكر أنطوان زكري في كتابه “النيل في عهد الفراعنة والعرب”، أن المصري القديم سجل في لوحتين على ورق البردي -معروفتين بورقتي ساليير وأنسطاسي، وهما من مجموعة الأوراق البردية المحتفظ بها إلى الآن في المتحف البريطاني، وترجمهما العالمان الأثريان الشهيران ماسبرو وجبس وهما اللذان نقلاها من الشعر المصري القديم- ويقول مطلع النشيد:

“الحمد لك يا نيل، يا من تخرج من الأرض وتأتي لتغذي مصر، يا ذا الطبيعة المخيفة، ظلام في وضح النهار، إنه الذي يروي المراعي، وهو المخلوق من رع ليغذي كل الماشية، وهو الذي يسقي البلاد الصحراوية البعيدة عن الماء، فإن ماءه هو الذي يسقط من السماء، هو المحبوب من جب، ومدبر شؤون إله القمح، وهو الذي ينعش كل مصنع من مصانع بتاح، رب الأسماك، وهو الذي يجعل طيور الماء تطير نحو الجنوب، إنه هو الذي يصنع الشعير والقمح وبذلك تتمكن المعابد من إقامة احتفالاتها”.

وكان يتم خلال الاحتفال ذبح قربان قد يكون عجلاً أو دجاجة، ثم تُلقى في النيل رسالة بها بعض الصلوات والمدائح في النيل. وكان الملك يحضر الاحتفال ومعه القادة ورجال الدين وسط جميع طوائف الشعب. وقد وُجد على سفوح جبل السلسلة شمال أسوان ثلاث لوحات تضم ثلاثة مراسيم في الفترة ما بين 1300 ــ 1225 ق.م تقر بأن يقام احتفال للإله “حابي” مرة عند أعلى ارتفاع للفيضان ومرة أخرى عند أدنى ارتفاع، ويُتقرب خلالها بقرابين من الحيوانات والخضروات والزهور والفاكهة.

كما جاء ذِكر أعياد النيل في مائدةٍ للقرابين محفوظة في متحف فلورنسا بإيطاليا، ويرجع تاريخها إلى ملوك الأسر الثلاث الأولى. وقال المؤرخ ماسبرو عن عيد الفيضان: “عندما يصل الماء المقدس إلى جدران مدينة (سين)، يقدم الكهنة أو الحاكم أو أحد نوابه ثوراً أو بطة، ويلقيه في الماء في حرز من البردي مختوم عليه، ويكتب في الحرز الأمر الملكي الخاص بنظام الفيضان. ومتى ترأس الملك بنفسه هذا الاحتفال نقشوا في الصحراء وسجلوا هذا الحادث تذكاراً تاريخياً، وإذا تغيب الملك عن الاحتفال ناب عنه الكهنة باحتفال عظيم، حاملين تمثال المعبود سائرين به على ضفاف النيل والجسور مرتلين الأناشيد”.

وقد أشار العالم الأثري “دي روجيه” إلى الاحتفال أيضاً وقال: “في اليوم الخامس عشر من شهر توت جاء فيضان النيل في سلسلة، وفي 15 أبيب صعد النيل فُقدّمت القرابين والهدايا للمعبود (حابي)، وفي ذلك اليوم كانوا يلقون له ميثاقاً مكتوباً من ديوان الملك، فيقبل النيل هذا العهد ولا يتخلف عن وعوده فيمنح مواهبه أرض عبيده المؤمنين”.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

«قبل ما تدفع.. شوف الـ«بلاك ليست»»

طلال أبو غزالة: تعلم حتى أراك 

70 عامًا على الواقعة.. لماذا لا تزال قضية البابا يوساب تُدرس؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2