حكايات مصيرية
أبدت وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة والمديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، السيدة أودري أزولاي، مخاوف عديدة من هيمنة الذكاء الاصطناعي على العالم، وما قد يسببه من ضياع للقيم والأخلاق البشرية. وفي خطاب وجهته إلى المسؤولين في الأمم المتحدة وهيئة اليونسكو.
قالت: “يجب أن نجد معًا أفضل الحلول لضمان أن تكون تنمية الذكاء الاصطناعي فرصة للبشرية؛ إذ تقع على عاتق جيلنا مسؤولية الانتقال إلى مجتمع أكثر عدلاً وسلامًا وازدهارًا.”
وتابعت موضحة: “إن الذكاء الاصطناعي يمثل رصيدًا مذهلاً للتنمية المسؤولة في مجتمعاتنا، إلا أنه يثير قضايا أخلاقية كبرى؛ فكيف يمكننا التأكد من أن الخوارزميات لا تنتهك حقوق الإنسان الأساسية، بدءًا من الخصوصية وسرية البيانات وصولاً إلى حرية الاختيار وحرية الضمير؟! وهل يمكن ضمان حرية التصرف عندما تكون رغباتنا متوقعة وموجَّهة؟!.
وكيف يمكننا ضمان عدم تكرار الصور النمطية الاجتماعية والثقافية في برامج الذكاء الاصطناعي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتمييز بين الجنسين؟! وهل يمكن منع تكرار هذه الدوائر المغلقة؟ وهل يمكن برمجة القيم؟ ومن يقوم بذلك؟ وكيف نتأكد من عدم حرمان أي شخص، أينما كان في العالم، من فوائد هذه التقنيات؟ وأخيرًا، كيف نضمن تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة شفافة تتيح للمواطنين حول العالم الذين تتأثر حياتهم به أن يكون لهم رأي في تطويره؟”
وللإجابة عن هذه الأسئلة الحيوية، يجب أن نميز بين الآثار المباشرة للذكاء الاصطناعي على مجتمعاتنا، والعواقب التي نشعر بها بالفعل، والتداعيات طويلة المدى.
يتطلب هذا الواقع أن نصوغ بشكل جماعي رؤية وخطة عمل استراتيجية؛ إذ يجب على دول العالم وضع ضمانات لاستخدام التكنولوجيات الحديثة القائمة على الذكاء الاصطناعي بما يخدم المجتمعات ويحقق تنميتها المستدامة. كما ينبغي تنظيم تطورات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته لتتوافق مع حقوق الإنسان الأساسية، مع إلزام جميع الجهات الفاعلة — كالشركات، ومراكز البحوث، وأكاديميات العلوم، والدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، وجمعيات المجتمع المدني — بوضع إطار أخلاقي ملزم في ظل تزايد الوعي بهذه القضايا.
ويجب أن يتم التفكير في هذا الإطار على مستوى عالمي، لتجنب اتباع نهج “الانتقاء والاختيار” في الأخلاقيات.
إن اتباع نهج شامل وعالمي، بمشاركة صناديق الأمم المتحدة ووكالاتها وبرامجها، يُعد ضرورة ملحة إذا أردنا تسخير الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة والحفاظ على إنسانية الإنسان قبل أن نصل إلى “أنسنة الآلة”؛ وهو الخطر الذي يهدد ملايين البشر بفقدان وظائفهم واحتلال الروبوتات لمواقعهم في سوق العمل.
وفي الختام، تبقى التساؤلات التي طرحتها المديرة العامة لليونسكو تنتظر إجابات حاسمة من مختلف دول العالم، إجابات تتأسس على الأخلاق الإنسانية الرصينة بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.

