الحرب انتهت… وبدأ التسويق

د. هشام سلام
د. هشام سلام

بقلم: د. هشام سلام

مع الإعلان عن اتفاقٍ محتمل بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الأعمال العدائية والدخول في مفاوضات تهدف إلى إنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي بصورة دائمة، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديًا لا يقل صعوبة عن الحرب نفسها: إقناع الرأي العام الأمريكي بأن هذه الحرب كانت تستحق كلفتها، وأن الولايات المتحدة خرجت منها في وضع أفضل مما كانت عليه قبل اندلاعها.

أخبار متعلقة

التصوير والتشهير.. عفواً أيها القانون! 

نهى الزيني تكتب من تحت الأنقاض

فلسطينيو الضفة الغربية بين الحياة اليومية والخلاص الوطنيّ

الانتخابات الإسرائيلية.. هل تكون نقطة تحول في مستقبل نتنياهو واليمين؟

فمنذ أشهر، دأب ترامب على مهاجمة منتقديه الذين وصفوا الحرب بالفشل، واتهم وسائل الإعلام بتقديم تغطية منحازة تُظهر الولايات المتحدة وكأنها الطرف الخاسر. وفي المقابل، حرصت إدارته على التأكيد أن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لضربات مؤلمة، وأن طهران فقدت جزءًا مهمًا من قياداتها ونخبها الأمنية والعسكرية.

لكن إعلان التفاهم بين الطرفين غيّر طبيعة المعركة. فلم تعد المواجهة تدور في ساحات القتال، بل انتقلت إلى ساحة السرديات السياسية. وهنا تبدو مهمة ترامب أكثر تعقيدًا. فبينما يسارع الرئيس وحلفاؤه إلى الحديث عن نهاية الحرب وقرب إعلان النصر، يسارع خصومه إلى تثبيت رواية معاكسة تمامًا: أن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية.

ويستند هؤلاء إلى مجموعة من الحقائق التي يصعب تجاهلها. فالنظام الإيراني لم يسقط، ولم يحدث التغيير السياسي الذي راهن عليه كثيرون في واشنطن. بل إن الجمهورية الإسلامية خرجت من الحرب محافظة على تماسكها المؤسسي، وربما أكثر قدرة على توظيف النزعة الوطنية في الداخل، كذلك كشفت الحرب عن مصدر قوة إيراني لم يحظ بالاهتمام الكافي قبل اندلاعها: قدرة طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز وما يترتب على ذلك من تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

ويضيف المنتقدون حجة أخرى لا تقل إحراجًا للرئيس الأمريكي. فإذا انتهت المفاوضات إلى اتفاق نووي لا يختلف كثيرًا عن الاتفاق الذي أبرمته إدارة باراك أوباما عام 2015، فسيجد ترامب نفسه أمام سؤال سياسي صعب: لماذا خيضت الحرب أصلًا إذا كان مآلها العودة إلى صيغة كان قد وصفها بنفسه يومًا بأنها «أسوأ اتفاق في التاريخ»؟

ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاستهانة بقدرة هذه الإدارة على إعادة صياغة الوقائع سياسيًا. فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن النفوذ السياسي لا يعتمد دائمًا على الحقائق بقدر اعتماده على القدرة على تأطيرها وتقديمها للرأي العام. كما أثبت ترامب وحلفاؤه مرارًا قدرتهم على تحقيق مكاسب سياسية من خلال سرديات معقدة وأنصاف حقائق ورسائل إعلامية فعالة.

غير أن المشكلة هذه المرة قد تكون أكبر من مجرد معركة إعلامية. فالأمريكي العادي لا يقيس نتائج الحروب بالبيانات الرسمية ولا بالمؤتمرات الصحفية، بل بما يلمسه في حياته اليومية: أسعار الوقود، وكلفة المعيشة، واستقرار الأسواق، وفرص العمل. وكلما طالت الآثار الاقتصادية للحرب، أصبح تسويق رواية «النصر» أكثر صعوبة.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو من انتصر في الحرب، بل من سينجح في إقناع الأمريكيين بأنه انتصر. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، وإنما أيضًا بالروايات التي تُكتب بعدها. لكن حتى أكثر الروايات براعة تواجه حدودًا يصعب تجاوزها عندما تبدأ الفاتورة الاقتصادية بالوصول إلى جيوب الناخبين. وعندها، قد يكتشف ترامب أن إعلان النصر أسهل بكثير من إقناع الناس به.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

التصوير والتشهير.. عفواً أيها القانون! 

نهى الزيني تكتب من تحت الأنقاض

فلسطينيو الضفة الغربية بين الحياة اليومية والخلاص الوطنيّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2