لم يكن اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع قادةورؤساء وفود عدد من الدول العربية والإسلامية فينيويورك، اجتماعًا بروتوكوليًا عابرًا على هامشاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
جاء الاجتماع في واحدة من أكثر لحظات الشرق الأوسطحساسية، وفي اليوم نفسه الذي كانت فيه واشنطنتفتح نافذة تفاوض جديدة مع طهران، بينما يلوّح ترمبفي الوقت ذاته بخيار عسكري بالغ الخطورة إذا لم تصلالمفاوضات إلى النتيجة التي تريدها الولايات المتحدة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الاجتماع، ترامب لم يجلسأمام قادة المنطقة فقط ليخبرهم بما قررته واشنطن، وإنما كان أمامه سؤال أكبر: كيف تتعامل الدول العربيةوالإسلامية مع المرحلة المقبلة، إذا انتهت الحرب مع إيرانبتسوية، أو إذا عادت الولايات المتحدة إلى التصعيد؟
كان المشهد الأمريكي–الإيراني يتغير بسرعة.. فبعد لقاءأمريكي–إيراني وصفه ترمب بأنه كان جيدًا ومثمرًا، خرجالرئيس الأمريكي ليقول إنه يعتقد أن الولايات المتحدةوإيران ستصلان إلى تسوية، وإن الأزمة يمكن أن تنتهيبعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، بينما ظل فيالوقت نفسه محتفظًا بخيار الضربة العسكرية، بلتحدث أمام الجمعية العامة بلغة تهديدية تجاه النظامالإيراني.
وفي المقابل، كانت طهران ترسل رسالة مختلفة: يمكنفتح الطريق أمام الدبلوماسية، بل إن مسؤولًا إيرانيًا قاللرويترز إن إيران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز أمامالملاحة خلال أيام إذا رفعت واشنطن الحصار وخففتالضغط العسكري.
إذن، اجتماع ترمب بالقادة العرب والمسلمين جاء في قلبهذه المعادلة.
ماذا يريد ترمب من العرب؟
السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: هل تريد واشنطنمن الدول العربية أن تدخل الحرب إلى جانبها؟
المعطيات المتاحة لا تسمح بالقول إن هذا كان طلبًاأمريكيًا معلنًا خلال الاجتماع، لكن السياق الإقليمييكشف أن الولايات المتحدة كانت تحتاج إلى معرفةموقف دول المنطقة من أي تصعيد جديد.
فالدول الخليجية تحديدًا هي الأكثر تعرضًا لتداعياتالحرب؛ فإغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمزيضرب الطاقة والتجارة، بينما تمتد التداعيات إلىالبحر الأحمر واليمن والقواعد والمنشآت الأمريكيةالموجودة في المنطقة.
ولهذا كان الاجتماع بالنسبة إلى ترمب اختبارًا لموقفالعواصم العربية: هل ستقبل بمزيد من التصعيد ضدإيران، أم ستدفع باتجاه تسوية سياسية؟
وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة.
فالدول الخليجية التي تعتمد بدرجات مختلفة علىالمظلة الأمنية الأمريكية، هي نفسها التي تدفع ثمنالحرب اقتصاديًا وأمنيًا.
وقد أظهرت التحليلات السابقة للاجتماع أن دول مجلسالتعاون كانت تريد من ترمب تجنب دورة جديدة منالتصعيد، وضمان حرية الملاحة في هرمز والبحرالأحمر، بينما كانت لكل دولة خليجية حساباتهاالخاصة بشأن تداعيات الحرب.
بمعنى آخر، لم يكن ترمب وحده يسألهم ماذا يريدون.
هم أيضًا كانوا يريدون أن يعرفوا ماذا يريد ترمب.
هرمز.. الورقة الأخطر
ربما كان مضيق هرمز هو المفتاح الحقيقي لفهمالاجتماع، فالمواجهة مع إيران لم تعد مسألة عسكرية بينواشنطن وطهران فقط.
هرمز يربط أمن الخليج بأسواق الطاقة العالمية، وأياستمرار لأزمة الملاحة ينعكس مباشرة على اقتصاداتدول الخليج وعلى الاقتصاد العالمي.
ولذلك فإن أي تسوية أمريكية–إيرانية لن تكون مجرداتفاق سياسي حول البرنامج النووي أوالعقوبات،وإنما
ستحتاج إلى معالجة سؤال أكبر:
من يضمن أمن الملاحة في الخليج بعد الحرب؟
وهنا يمكن أن يكون ترمب قد أراد من القادة العربوالإسلاميين معرفة استعدادهم للمشاركة في ترتيباتإقليمية جديدة لحماية الملاحة والطاقة، أو على الأقلدعم أي تفاهم أمريكي–إيراني يضمن عودة الملاحة،
وهذا يفتح الباب أمام ملف بالغ الحساسية: مستقبلالأمن الإقليمي.
لكن هل يريد ترمب إعادة بناء مظلة أمنية أمريكية؟
الحرب أظهرت أن المظلة الأمريكية التقليدية لم تعدمسألة بسيطة، أمريكا موجودة عسكريًا في الخليج، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى طرف فيحرب مفتوحة بلا سقف زمني مع إيران.
والدول الخليجية تريد الحماية الأمريكية، لكنها لا تريدأن تتحول أراضيها إلى ساحات حرب،ومن هنا يمكنفهم أهمية الاجتماع، وواشنطن تريد من حلفائها العربأن يكونوا جزءًا من الحل، ولكن دون أن تتحمل الولاياتالمتحدة وحدها تكلفة الحل.
وهذه نقطة مهمة جدًا.
فإذا انتهت الحرب بتسوية مع إيران، ستحتاج واشنطنإلى ترتيبات تمنع عودة المواجهة، وإذا استمرت الحرب، ستحتاج إلى تعاون إقليمي أكبر، وفي الحالتين، يصبحأمن الخليج والبحر الأحمر واليمن جزءًا من صفقةأوسع.
ولم يكن الملف الإيراني وحده حاضرًا، ففي اليوم السابقلاجتماع ترمب، اجتمع وزراء خارجية مصر والسعوديةوقطر والأردن والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستانفي نيويورك، و أصدروا بيانًا أكدوا فيه ضرورة تنفيذالالتزامات المتعلقة بخطة غزة، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، ودفع مسار إقامة الدولة الفلسطينية.
والأهم أنهم أكدوا استعدادهم لمواصلة العمل معالولايات المتحدة ومجلس السلام والسلطة الفلسطينيةلتنفيذ الخطة وخارطة الطريق، وهذا يعني أن ترمب لميكن يتعامل مع ملف واحد.
كان أمامه ملفان متداخلان: إيران وغزة، وفي الحالتينتريد واشنطن تعاونًا عربيًا وإسلاميًا، فإذا نجحتالتسوية مع إيران، ستحتاج الإدارة الأمريكية إلى دولالمنطقة للمساعدة في تثبيت نتائجها.
وإذا تقدمت خطة غزة، ستحتاج الولايات المتحدة إلىالدول العربية والإسلامية لتمويل وتنفيذ أجزاء منعملية إعادة الإعمار، والتعامل مع السلطة الفلسطينية، وضمانات المرحلة المقبلة.
وماذا عن إسرائيل؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا،فالدول العربيةوالإسلامية لا تنظر إلى حرب إيران باعتبارها منفصلةعن القضية الفلسطينية.
والملك الأردني عبد الله الثاني، خلال الاجتماع الذي دعاإليه ترمب حذر من اتساع التصعيد في الضفة الغربيةوغزة، كما أثار مسألة التحركات الإسرائيلية في الضفةوسوريا وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي والأمنالأردني.
أي أن القادة العرب لم يدخلوا الاجتماع بالضرورةباعتبارهم مجرد أطراف تنتظر التعليمات الأمريكية.
كانت لديهم ملفات ومخاوف ومطالب أيضًا.. وهذا مهملفهم طبيعة الاجتماع.
المفارقة الأكبر أن ترمب كان يجلس مع القادة العربوالمسلمين في الوقت الذي كان فيه يقول للعالم شيئًاآخر من على منبر الأمم المتحدة:
إما صفقة مع إيران، وإما استمرار الخيار العسكري، وفي الوقت نفسه كانت قنوات التفاوض تعمل.
وهذا يكشف أن الإدارة الأمريكية تستخدم المسارين معًا:
الضغط العسكري من أجل تحسين شروط التفاوض، والدبلوماسية من أجل الوصول إلى صفقة دونالاضطرار إلى حرب مفتوحة..لكن المشكلة أن نجاح هذاالأسلوب يعتمد على موقف الدول المحيطة بإيران.
فإذا تصاعدت الحرب، فإن الخليج واليمن والعراقوالبحر الأحمر ستكون كلها معرضة لتداعياتها،
وإذا نجحت المفاوضات، فإن هذه الدول ستكون جزءًاأساسيًا من ترتيبات ما بعد الحرب.
ماذا أراد ترمب إذن؟
يمكن تلخيص السؤال في أربعة ملفات مترابطة، مندون افتراض اتفاقات لم تُعلن:
أولًا: معرفة موقف الدول العربية والإسلامية مناستمرار التصعيد مع إيران.
ثانيًا: الحصول على دعم إقليمي لأي مسار تفاوضييمكن أن يقود إلى اتفاق أمريكي–إيراني.
ثالثًا: بحث تداعيات الحرب على أمن الخليج وحريةالملاحة، خصوصًا مضيق هرمز والبحر الأحمر.
رابعًا: ضمان استمرار التعاون العربي والإسلامي فيتنفيذ ترتيبات غزة وخطة ما بعد الحرب.
لكن هناك سؤالًا خامسًا ربما يكون هو الأهم: هل يريدترمب أن يعيد صياغة العلاقة الأمريكية مع المنطقة علىأساس جديد؟
أي أن تبقى واشنطن القوة العسكرية الكبرى، لكنتتحمل الدول العربية والإسلامية جزءًا أكبر من أعباءالأمن والاستقرار والتمويل وإعادة الإعمار.. وهنا تصبحالقضية أكبر من إيران.
نحن أمام محاولة لإعادة تعريف منظومة الأمن الإقليميبأكملها.
مصر في قلب المعادلة
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل حضور مصر فيالمشهد، فالقاهرة تتحرك على أكثر من خط: غزة، أمنالبحر الأحمر، أمن الخليج، العلاقات مع إيران، والعلاقةالاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
ومصر، بحكم موقعها، لا تستطيع أن تنظر إلى هرمزباعتباره أزمة خليجية فقط، ولا إلى البحر الأحمرباعتباره ملفًا منفصلًا، ولا إلى غزة باعتبارها قضيةفلسطينية محضة.
كل هذه الدوائر متصلة.
ومن هنا فإن أي ترتيبات أمنية جديدة في المنطقةستطرح بالضرورة سؤالًا عن الدور العربي فيها، وهلسيكون الأمن الإقليمي قائمًا على مظلات خارجية، أم أنالدول العربية ستتجه إلى بناء صيغة أمنية إقليميةأكثر استقلالًا.
وهذا تحديدًا هو السؤال الذي يتجاوز اجتماع نيويورك.
ما وراء الصورة
ربما لا يكون أهم ما حدث في اجتماع ترمب بالقادةالعرب والمسلمين هو ما قيل أمام الكاميرات.
الأهم هو ما الذي ستفعله واشنطن بعد الاجتماع؟
هل تتجه إلى تسوية مع طهران؟
هل تعود إلى التصعيد؟
هل تنجح في فتح مضيق هرمز؟
هل تتوقف جبهة اليمن؟
هل تتقدم خطة غزة؟
وهل تبدأ واشنطن فعلًا في إعادة صياغة منظومة الأمنالإقليمي؟
حتى الآن لا يوجد إعلان رسمي عن صفقة شاملة خرجبها الاجتماع، ولذلك سيكون من الخطأ التعامل معهباعتباره اجتماعًا أنتج اتفاقًا نهائيًا.
لكن توقيته يقول شيئًا مهمًا:
ترمب لم يعد يتعامل مع الحرب مع إيران باعتبارهامواجهة أمريكية– إيرانية فقط.
لقد أصبحت قضية إقليمية، والدول العربية والإسلاميةجزء من معادلة إنهائها أو استمرارها.
ولهذا ربما كان الهدف الحقيقي من اجتماع نيويورك هوأن يعرف ترمب شيئًا واحدًا قبل اتخاذ قراره الكبير:
إذا اختار الحرب.. إلى أي مدى يستطيع أن يضمن بقاءالمنطقة خارجها؟
وإذا اختار الصفقة مع إيران..
هل يستطيع أن يحصل من العرب على ما يكفي لضماننجاحها؟
هنا بالضبط تكمن أهمية اجتماع الثلاثاء.
فما جرى في نيويورك قد لا يكون نهاية مرحلة، وإنمابداية مفاوضات أكبر حول شكل الشرق الأوسط بعدحرب إيران.

