بقلم الدكتور / محمد حسن فرحات
أستاذ الرياضيات-كلية العلوم-جامعة الأزهر
حين يحلّ أكتوبر، لا نقف أمام مجرد ذكرى عسكرية مدوّنة في سجلات التاريخ، بل أمام استدعاءٍ حيّ لإرادة أمة صاغت وجودها من رحم الانكسار، وحوّلت هزيمة مؤلمة إلى عبورٍ حاسم لم يُسقط خط بارليف فحسب، بل أسقط معه أسطورة التفوق والجمود.
إن القراءة الدقيقة لوثائق تلك اللحظة الاستثنائية تكشف أن العبور العسكري المنسوب لعبقرية التخطيط وبسالة المقاتل، ما كان له أن يكتمل لولا «الجبهة الداخلية»؛ تلك الكتلة الشعبية الصلبة التي اصطفت بصمت وصبر ويقين خلف راية جيشها. لقد كانت معركة وجود خاضها الفلاح والعامل والمثقف، متناسين كل خلاف أمام نداء البقاء، ليتجسد المعنى الأعمق لتماسك الدولة الوطنية.
ولم تكن حكمة أكتوبر محصورة في فوهة البندقية؛ بل امتدت في قدرة صانع القرار على إدارة موازين القوى وصياغة السلام من موقع المنتصر، ثم خوض معركة الدبلوماسية والقانون الدولي حتى استعادة طابا كاملة غير منقوصة. لقد علمنا أكتوبر أن القوة ليست فقط في شنّ الحرب، بل في حماية مكاسب الوطن بكافة الأدوات السيادية.
واليوم، بينما يعاد تشكيل خرائط الإقليم وسط أزمات دولية معقدة وتحديات مصيرية تُحاك حول الحدود، تصبح استعادة «روح أكتوبر» ضرورة وجودية لا رفاهية احتفالية. إن حماية الأمن القومي تبدأ أولاً من صلابة الجبهة الداخلية، ووعي المواطن بحجم المخاطر، واصطفافه الواعي خلف قيادته ومؤسساته في وجه محاولات التفتيت والتشكيك.
إن التاريخ يعلمنا درساً لا يقبل التأويل: الأمم العظيمة لا تنكسر حين تتكاتف، والشعب المصري الذي لم يعرف يوماً المستحيل في ميادين القتال، قادرٌ بوعيه وصموده أن يخوض معركة البقاء والتنمية، لتبقى مصر كما كانت دائماً، صلبةً وعصيةً على الانكسار.

