بقلم: أسامة موسى البيطار
لماذا نحب مصر؟ ولماذا نخاف عليها؟
لأن مصر ليست دولة عربية عادية في التاريخ أو الجغرافيا أو الوجدان. إنها الدولة التي إذا استقرت شعر العرب أن لهم ظهرًا، وإذا تعبت تسلل القلق إلى كل بيت عربي. هي أمّ العرب وحاضنتهم الثقافية، وهي الحائط الكبير الذي ظل، في أحلك المراحل، يحمي فكرة الدولة العربية من السقوط.
أكتب عن مصر لا بوصفها محطة عابرة في سفر، ولا من وراء شاشة أو استنادًا إلى ما يقال عنها. فمنذ أكثر من عشرين عامًا وأنا أزورها وأتعامل مع مؤسساتها وألتقي برجال قانون وفكر واقتصاد وإدارة فيها. ثم أصبحت علاقتي بها أكثر عمقًا من خلال عملي أمينًا عامًا للاتحاد العربي لحماية حقوق الملكية الفكرية، وتواصلي المباشر مع جهات مصرية رسمية وأكاديمية ومهنية.
ولهذا فإن ما أكتبه ليس مديحًا سياسيًا ولا خصومة سياسية، وإنما شهادة عربي أحب مصر، ورأى بأم عينه ما تغير فيها، وما تحقق، وما بقي يقلقه عليها.
مصر التي عرفتها قبل عشرين عامًا
عرفت القاهرة حين كانت تتحرك بصعوبة داخل حدودها القديمة؛ طرق مزدحمة، وبنية تحتية لم تعد قادرة على استيعاب النمو السكاني، ومناطق عشوائية تمتد بمحاذاة أحياء شديدة الثراء، ومعاملات إدارية تتطلب وقتًا طويلًا، ومسافات قصيرة تتحول في ساعات الذروة إلى رحلات مرهقة.
كانت مصر حاضرة بقوتها البشرية والثقافية، لكنها لم تكن تستثمر كامل إمكاناتها. كانت الدولة الكبيرة تتحرك بأدوات أصغر من حجمها، وكان التوسع السكاني أسرع من قدرة الطرق والمدن والخدمات على ملاحقته.
ثم جاءت أحداث عام 2011 وما أعقبها من سنوات مضطربة. لم يكن الخوف على حكومة أو نظام سياسي، بل على الدولة المصرية نفسها: على مؤسساتها ووحدتها وأمنها وقدرتها على تجنب المصير الذي وصلت إليه دول عربية أخرى.
ماذا تغيّر في عهد الرئيس السيسي؟
من الإنصاف القول إن مصر شهدت منذ عام 2014 مشروعًا واسعًا لإعادة بناء الدولة ومرافقها. قد نختلف حول الأولويات أو الكلفة أو سرعة التنفيذ، لكن لا يمكن لمن عرف مصر قبل عشرين عامًا ويزورها اليوم أن ينكر حجم التغيير.
لقد تغيرت شبكة الطرق والمحاور، واتسعت القاهرة باتجاه مدن ومجتمعات جديدة، وتطورت مداخلها ومناطق كثيرة حولها، وأُنشئت مشروعات كبيرة في الكهرباء والطاقة والنقل والإسكان. كما جرى التعامل مع عدد من المناطق غير الآمنة، ونُقل سكانها إلى مساكن أكثر ملاءمة وكرامة.
لكن الإنجاز الأوضح في نظري ليس جسرًا أو شارعًا أو مبنى منفردًا؛ بل انتقال مصر من محاولة إدارة أزمة التوسع السكاني إلى التفكير في شكل الدولة بعد عشرات السنوات.
العاصمة الإدارية: من أرض صحراوية إلى مدينة للدولة
في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2024، كان لي شرف المشاركة، بصفتي أمينًا عامًا للاتحاد العربي لحماية حقوق الملكية الفكرية، في تكريم العاصمة الإدارية الجديدة واختيارها عاصمةً عربيةً للملكية الفكرية لعام 2024، في الفعالية التي نظمها الاتحاد بالشراكة مع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري.
لم يكن اختيار العاصمة قائمًا على جمال مبانيها أو اتساع شوارعها فقط، بل على معايير ترتبط بالابتكار والاقتصاد الحديث والبنية التحتية الذكية، ووجود المؤسسات التعليمية والثقافية ومراكز البحث وحاضنات الإبداع، وقدرة المدينة على استيعاب الإدارة والاستثمار والتكنولوجيا في بيئة واحدة.
وقفت هناك متأملًا المسافة بين الفكرة والواقع. ما كان قبل سنوات قليلة أرضًا صحراوية أصبح مدينة تضم الحي الحكومي ومؤسسات الدولة ومقارًا اقتصادية وثقافية وسكنية، وتقدم نموذجًا مختلفًا في التخطيط والإدارة.
والعاصمة الإدارية لا تعني التخلي عن القاهرة التاريخية، ولا تستطيع أي مدينة جديدة أن تحل محل القاهرة في الذاكرة العربية. لكنها تمنح القاهرة القديمة فرصة للتنفس، وتنقل جانبًا من الضغط الإداري والعمراني إلى مساحة خُططت منذ البداية لاستيعاب المستقبل.
ومع ذلك، يبقى السؤال المشروع: متى يلمس المواطن العادي عائد هذه المشروعات الكبرى بصورة مباشرة في مستوى دخله وخدماته وحياته اليومية؟ فنجاح المدن لا يقاس فقط بارتفاع مبانيها، بل بمقدار ما تضيفه إلى حياة الإنسان.
الجهاز المصري للملكية الفكرية: تحول مؤسسي لا شكلي
ومن موقع عملي في مجال الملكية الفكرية، تابعت خطوة مصر المهمة بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية عام 2022، ثم صدور القانون رقم 163 لسنة 2023 بإنشاء الجهاز المصري للملكية الفكرية.
وقد تبدو هذه الخطوة متخصصة وفنية لغير العاملين في المجال، لكنها في حقيقتها جزء أساسي من بناء اقتصاد حديث. فالملكية الفكرية لم تعد تعني تسجيل علامة تجارية أو حماية كتاب أو أغنية فقط؛ إنها تشمل براءات الاختراع والبرمجيات والدواء والصناعات الإبداعية والذكاء الاصطناعي ونقل التكنولوجيا وتقييم الأصول غير المادية للشركات والدولة.
وقد كانت الاختصاصات المتعلقة بالملكية الفكرية موزعة بين جهات ومكاتب متعددة. وجاء الجهاز ليؤسس مظلة وطنية موحدة تتولى تنظيم حقوق الملكية الفكرية ورعايتها وحمايتها، وربطها بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية وبناء اقتصاد المعرفة.
الأهم أن القانون لم ينظر إلى الملكية الفكرية باعتبارها وسيلة لمنع التقليد وحده، بل بوصفها أصلًا اقتصاديًا يمكن تقييمه واستثماره وتحويله إلى قيمة وفرص عمل. وهذه نقلة فكرية يحتاج إليها العالم العربي كله.
إن الدولة التي تبني طرقًا ومدنًا فقط قد تنجح في الحاضر، أما الدولة التي تحمي العقل والاختراع والعلامة والمحتوى والإبداع، فهي التي تستثمر في المستقبل.
الدولة لا تُبنى بالحجارة وحدها
لقد نجحت مصر في استعادة قدر كبير من هيبة الدولة واستقرار مؤسساتها، وفي تجنب مصائر قاسية شهدناها في دول عربية أخرى. كما استعادت حضورها في ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وأكدت أن أمنها ووحدة أراضيها ليسا قابلين للمغامرة.
لكن الاعتراف بالإنجاز لا يعني إغلاق باب النقد.
فمصر تواجه تحديات اقتصادية ثقيلة: ارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، والضغط على الطبقة الوسطى، وأعباء الدين، وحاجة القطاع الخاص إلى مساحة أوسع للنمو والمنافسة. والمواطن الذي يرى المدن والطرق الجديدة يريد، بحق، أن يرى أثرها في دخله وفرص أبنائه وجودة تعليمه وعلاجه.
نخاف على مصر من أن تتسع المسافة بين قوة الدولة الاقتصادية المنشودة وقدرة المواطن اليومية على الاحتمال. ونخاف عليها من أن يُفهم النقد المخلص باعتباره خصومة، أو أن يتحول التأييد إلى تصفيق لا يرى الأخطاء.
فالدولة القوية لا تخشى النقد؛ بل تستفيد منه، والمحب الحقيقي لا يكتفي بالإعجاب، وإنما يشير إلى موضع الخطر قبل أن يتسع.
لماذا نحب مصر إذن؟
نحب مصر لأنها لم تكن يومًا لنفسها وحدها. جامعاتها علمت أجيالًا عربية، وقضاؤها وفقهها أثّرا في التشريعات العربية، وأدبها وصحافتها ومسرحها وسينماها دخلت كل بيت عربي. وجيشها لم يكن في الوعي العربي جيش دولة فحسب، بل أحد أعمدة الأمن القومي العربي.
ونحب مصر لأن المصري، رغم ما يحمله من أعباء، لا يزال قادرًا على صناعة الحياة من أصعب الظروف، وعلى تحويل الألم إلى نكتة، والضيق إلى فن، والتاريخ إلى طاقة لا تنفد.
لقد تغيرت مصر خلال العقد الأخير، وما تحقق في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي كبير ومرئي، ولا يحتاج إلى مبالغة لإثباته. لكن التحدي المقبل أصعب: أن يتحول الإنجاز العمراني والمؤسسي إلى رخاء يشعر به المواطن، وأن تتحول البنية التحتية إلى إنتاج، والاستقرار إلى استثمار، والاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية إلى اختراعات وصناعات وشركات وفرص عمل.
نحب مصر، ولذلك لا نريد لها الفوضى.
ونخاف عليها، ولذلك لا نريد أن يُختصر حبها في التصفيق.
مصر أكبر من حكومة ومعارضة، وأبقى من الأشخاص والمراحل. إنها ذاكرة العرب وميزان المنطقة وحائطها الكبير. فإذا نهضت مصر، لم تنهض وحدها؛ وإذا تعبت، فلن يبقى تعبها داخل حدودها.

