أعاد ملف تقطيع الأشجار في القاهرة نفسه إلى دائرة الاهتمام خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع الجدل الذي أثارته أعمال إزالة أشجار في عدد من المناطق، وفي مقدمتها أشجار شارع جامعة الدول العربية، وما تبع ذلك من مطالبات بالحفاظ على المساحات الخضراء وعدم التعامل مع الأشجار باعتبارها عائقًا أمام مشروعات التطوير.
وجاءت التطورات الأخيرة لتفتح فصلًا جديدًا في الملف، بعدما أعلن محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر توقف عمليات قطع الأشجار داخل العاصمة، مع وقف أعمال التقليم أيضًا إلا في حالات الضرورة، بالتزامن مع تحركات حكومية لتنفيذ مشروع «تخضير القاهرة».
لكن القرار يطرح عدة أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة: ماذا عن الأشجار التي أزيلت بالفعل؟ ومن يحدد الحالات التي تستوجب القطع؟ وهل توجد آلية معلنة لمتابعة تنفيذ قرار وقف الإزالة؟ وماذا يحدث للأخشاب الناتجة عن الأشجار التي يتم قطعها في الحالات المسموح بها؟
من يملك قرار تقطيع الأشجار في القاهرة؟
مع توسع مشروعات تطوير الطرق والمحاور، تصبح مسألة تحديد الجهة صاحبة القرار واحدة من أهم حلقات الملف.
فهل إزالة الشجرة تسبقها معاينة فنية؟ وهل يتم توثيق حالتها وموقعها قبل اتخاذ القرار؟ وهل توجد بدائل مثل إعادة تخطيط المسار أو نقل الشجرة بدلًا من إزالتها؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر مع إعلان محافظة القاهرة أنها ستعتمد على مكاتب استشارية متخصصة لوضع تصور علمي لملف التشجير واختيار أنواع الأشجار المناسبة لكل شارع ومحور.

لماذا أصبح «وقف القطع» محورًا رئيسيًا؟
تصريحات محافظ القاهرة الأخيرة جاءت في وقت تتجه فيه الدولة إلى زيادة المساحات الخضراء داخل العاصمة، إذ تتضمن خطة «تخضير القاهرة» تشجير الطرق والمحاور الرئيسية، إلى جانب حصر الأراضي الحكومية غير المستغلة ودراسة تحويلها إلى حدائق ومتنزهات ومساحات خضراء.
كما تضمنت التوجيهات الحكومية التأكيد على الالتزام بعدم قطع الأشجار والتوسع في التشجير، مع الاستعانة بمتخصصين لاختيار الزراعات المناسبة لكل موقع.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التحقيق: في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى زيادة الغطاء الأخضر، كيف ستتم حماية الأشجار القائمة بالفعل؟
الأشجار القديمة.. هل يمكن تعويضها بسهولة؟
أثار قطع الأشجار القديمة في بعض المناطق جدلًا واسعًا، خصوصًا مع الحديث عن أشجار يصل عمر بعضها إلى عقود طويلة.
وفي واقعة أشجار شارع جامعة الدول العربية، أُثيرت تساؤلات حول إزالة أشجار قديمة ضمن أعمال التطوير، وهو ما أعاد النقاش حول كيفية تحقيق التوازن بين تطوير الطرق والحفاظ على الأشجار الموجودة بالفعل.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بعدد الأشجار التي ستتم زراعتها لاحقًا، وإنما أيضًا بالفارق بين شجرة موجودة بالفعل منذ سنوات طويلة وشجرة جديدة تحتاج إلى سنوات حتى تنمو وتوفر الظل والخدمات البيئية نفسها.

ماذا يحدث للأخشاب بعد القطع؟
من أكثر الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة موثقة في ملف الأشجار: ما مصير الأخشاب الناتجة عن الأشجار التي يتم قطعها بشكل قانوني؟
هل يتم حصر الأشجار قبل القطع؟ وهل يتم تسجيل الكميات الناتجة؟ ومن الجهة التي تتولى استلام الأخشاب؟ وكيف يتم التصرف فيها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال مستندات رسمية وسجلات الجهات المختصة يمكن أن تكشف جانبًا مهمًا من دورة التعامل مع الأشجار بعد إزالتها، بعيدًا عن الشائعات أو المعلومات غير الموثقة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
إعلان وقف قطع الأشجار لا ينهي الملف، وإنما يفتح سؤالًا آخر يتعلق بآلية التنفيذ، فإذا كانت القاعدة الجديدة هي عدم قطع الأشجار، مع السماح بالتدخل في حالات الضرورة، فما المقصود بالضرورة؟ ومن يحددها؟ وهل يتم توثيق الحالات التي يُسمح فيها بالقطع؟ وهل توجد جهة تراجع هذه القرارات بعد تنفيذها؟
كما أن إعلان محافظة القاهرة وضع آلية لصيانة وري الأشجار والحدائق بعد تنفيذ أعمال التشجير يطرح أهمية وجود متابعة مستمرة، حتى لا تتحول مشروعات التشجير إلى عمليات زراعة مؤقتة دون رعاية لاحقة.

من «قطع الأشجار» إلى «تخضير القاهرة»
التحول في الخطاب الرسمي أصبح واضحًا: مناقشة الأشجار لم تعد مرتبطة فقط بأعمال الإزالة، وإنما أصبحت جزءًا من مشروع أوسع لزيادة المساحات الخضراء وتحسين جودة الهواء وتوفير الظلال.
وتتضمن الخطة الرسمية تشجير المحاور والطرق الرئيسية، والاستفادة من الأراضي الفضاء غير المستغلة، واستخدام أنظمة الري الحديثة والمياه المعالجة في أعمال الري، مع وضع خطط لصيانة الأشجار بعد زراعتها.
لكن نجاح هذه الخطة لن يقاس بعدد الشتلات التي يتم زرعها فقط، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الأشجار الموجودة، وضمان عدم إزالتها إلا وفق ضوابط واضحة، ومتابعة ما يحدث لكل شجرة يتم التعامل معها.


