بقلم: د. منى ابو حمدية
في اليوم العالمي للشباب، لا أريد أن أتحدث عن الشباب باعتبارهم «جيل المستقبل» فقط؛ لأن هذه العبارة، على جمالها، تحمل أحياناً رسالة مؤجلة: أن المستقبل سيأتي يوماً، وعندها سيكون للشباب دور.
لكنني أعتقد أن السؤال الحقيقي اليوم هو:
ماذا عن الشباب في الحاضر؟ وماذا عن حقهم في أن يكونوا جزءاً من صناعة القرار الآن؟
نحن أمام لحظة فلسطينية مختلفة في عام 2026؛ لحظة تعود فيها الانتخابات التشريعية إلى واجهة الحياة السياسية، بعد سنوات طويلة من غياب المجلس التشريعي عن دوره الانتخابي. وقد حُدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
لكن الأهم بالنسبة لنا، نحن الذين نتحدث عن الشباب، أن القانون الانتخابي المعدل حمل رسالة واضحة:
خفض سن الترشح لعضوية المجلس التشريعي من 28 عاماً إلى 23 عاماً.
وهذا ليس مجرد رقم تغيّر في مادة قانونية.
إنه، في جوهره، فتح لباب سياسي أمام جيل جديد.
شاب أو شابة في الثالثة والعشرين لم يعد القانون يقول لهما: انتظرا حتى تبلغوا الثامنة والعشرين حتى يحق لكم أن تترشحوا.
بل أصبح بإمكانهما، وفق الشروط القانونية، أن يقولا:
أنا أريد أن أكون جزءاً من صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ للقرار.
وهنا أرى أن علينا أن ننتقل من مفهوم مشاركة الشباب إلى مفهوم أعمق هو تمكين الشباب.
فالمشاركة قد تعني أن يحضر الشاب ندوة، أو يصوت في الانتخابات، أو يشارك في نشاط مجتمعي.
أما التمكين فيعني أن نفتح له الباب ليكون مرشحاً، وصاحب برنامج، وصاحب رؤية، وصوتاً داخل المؤسسة التشريعية.
وهذه التعديلات، إذا قرأناها من زاوية الشباب، تطرح سؤالاً أكبر:
هل نحن مستعدون فعلاً لجيل جديد من القيادات الفلسطينية؟
ان فتح باب الترشح أمام الشباب خطوة مهمة، لكنها ليست الخطوة الأخيرة.
نحن بحاجة إلى شباب يدخلون الانتخابات بالفكرة لا بالشعار، وبالبرنامج لا بالشخصنة، وبالكفاءة لا بالعمر وحده.
العمر يمنح الحق في الترشح، لكنه لا يمنح وحده القدرة على القيادة.
والشباب الفلسطيني اليوم يمتلك ما لم تكن الأجيال السابقة تمتلكه بالدرجة نفسها: المعرفة الرقمية، والقدرة على الوصول إلى المعلومات، والانفتاح على العالم، والقدرة على بناء المبادرات والتواصل السريع مع المجتمع.
لكن في المقابل، يحتاج هذا الجيل إلى شيء آخر:
أن يسمعه المجتمع. أن تثق به المؤسسات. وأن تمنحه الأحزاب والقوى السياسية مساحة حقيقية، لا مجرد مواقع رمزية في القوائم.
السؤال الحقيقي هو:
هل هذا الشاب شريك في صياغة البرنامج؟ هل صوته مسموع؟ هل لديه فرصة للوصول إلى موقع القرار؟ هل يستطيع أن يقدم مشروعاً سياسياً ومجتمعياً مختلفاً؟
وهنا أعتقد أن مسؤولية الشباب أنفسهم لا تقل عن مسؤولية المؤسسات.
إذا فتحنا لهم الباب، فعليهم أن يدخلوا من خلال المعرفة والكفاءة والمسؤولية.
أن يقرأ الشاب القانون.
أن يعرف تاريخ بلده.
أن يفهم اقتصاده ومشكلاته الاجتماعية.
أن يمتلك أدوات الحوار السياسي.
وأن يدرك أن النائب ليس مجرد اسم على ورقة اقتراع، وإنما أمانة وتمثيل ومساءلة وتشريع.
ولذلك، فإن انتخابات 2026 يمكن أن تكون أكثر من مجرد استحقاق انتخابي.
يمكن أن تكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الشباب والسياسة.
من علاقة تقوم على أن الشباب جمهورٌ للخطاب السياسي، إلى علاقة يصبح فيها الشباب منتجاً للخطاب وصانعاً للقرار.
فالانتخابات ليست فقط صناديق اقتراع.
الانتخابات هي سؤال عن شكل المجتمع الذي نريد أن نبنيه.
وإذا كنا نريد مجتمعاً أكثر تجددًا، فعلينا أن نمنح جيلاً جديداً فرصة أن يثبت أن الشباب ليسوا فقط طاقةً للمجتمع…
بل طاقةٌ للقرار.
وفي عام 2026، ومع فتح باب الترشح أمام من بلغوا الثالثة والعشرين، أصبح أمامنا تحدٍ جديد:
ليس فقط أن نقول إننا نريد الشباب في المجلس التشريعي…
بل أن نسأل:
أي شباب نريد؟ وأي سياسة نريد؟ وأي فلسطين نريد أن يصنعها هذا الجيل؟
فطوبى للشباب الفاعل والمؤثر
وطوبى لفلسطين الحبيبة

