عاجزون عن الملاحقة

محمد هجرس

حكايات الناس في البيوت اليوم لم تعد مجرد أرقام جافة في نشرات الأخبار أو نسب تضخم يحللها الخبراء خلف الأبواب المغلقة، لكنها أصبحت أشبه بدوامة يومية طاحنة وزمن دائري غريب لا يتوقف، يدور بأصحاب البيوت في حلقة مفرغة، ولا يجد الواحد منهم فرصة لالتقاط الأنفاس أو حتى الشعور بالأمان لفترة قصيرة، والعائلة تجد نفسها تعيش وسط متتاليات قاسية من الالتزامات المادية وضغوط الحياة.

فبمجرد انتهاء العبء الثقيل لمصاريف المدارس والجامعات واستنزاف الدروس الخصوصية التي صارت فرضا لا مفر منه، يجد عائل الأسرة نفسه أمام موسم جديد يطرق الباب سرعا وبعنف، ربما يكون عيدا أو رمضان أو مناسبة عائلية، لكن طبيعة تلك المواسم تغيرت تماما، وتحولت البهجة التي ينتظرها الصغار إلى التزامات مادية تخنق ما تبقى في الجيوب، وتفرغ اللحظات الجميلة من قيمتها الإنسانية لتصبح مجرد فواتير ثقيلة يجب دفعها الآن وبسرعة.

أخبار متعلقة

روح أكتوبر: ملامح الاصطفاف حين يُعاد رسم الخرائط

أصلًا.. لا ظلًا

اثيوبيا تطورات سلبية

دَوِّر على الأصل

والغريب أن المواسم والالتزامات تتابع بهذا الشكل المرهق ولا يُترك للأسرة وقتا لاستعادة التوازن المالي، أو حتى لترميم الشقوق والندوب التي تركتها مصاريف الشهر الماضي في ميزانية متهالكة بالأساس، وباتت الحياة سلسلة متصلة من أزمات صغيرة تتراكم لتشكل عبئا يعجز الشخص عن حمله.. وهو تتابع يدفع الناس بقوة الظروف للتخلي عن فكرة الادخار أو التفكير في مستقبل بعيد، ويصبح الهم الوحيد هو النجاة من العجز اليومي وتدبير الصباح التالي.

تلك الحياة اللاهثة التي نعيشها، تذكرنا بما قاله الفيلسوف أبيقور عن الأعباء التي يفرضها المجتمع، فرأى أن شقاء الناس ينبع من خلطهم بين حاجات طبيعية ضرورية للبقاء وبين تكاليف وهمية تفرضها المظاهر والتقاليد، ويؤكد هذا الفيلسوف أن مطالب الطبيعة بسيطة ومحدودة وسهلة المنال، أما ما تطلبه الظنون ومجاراة الناس فلا نهاية له.

وهذا الكلام لأبيقور يتجلى بوضوح في واقعنا الذي نعيشه، فالأسرة لا تواجه فقط نقصا في الغذاء والكساء، لكنها تواجه وطأة التزامات ثابتة فرضها نمط الحياة المعاصر كشرط للكرامة والمكانة الاجتماعية، وهو ما يجعل كلنا يركض بلا توقف وكأنه محكوم عليه بأشغال شاقة ليتحمل كلفة العيش، دون أن يجد دقيقة واحدة للحياة نفسها.

إن تفاصيل الأيام الحالية باتت تشبه أسطورة سيزيف الإغريقية، فالأب يرفع صخرة الالتزامات طوال الشهر بجهد كبير وعرق يتصبب، ثم يصطدم في النهاية بمتطلبات الإيجار وفواتير الكهرباء والغاز والمياه وكلفة المواصلات التي لا تتوقف عن الصعود، وما إن يظن الأب المنهك أنه وصل إلى استقرار مؤقت، حتى تدفعه المواسم المتلاحقة والمفاجآت نحو القاع مرة أخرى، ليبدأ رحلة الصعود من جديد مع أول كل شهر، وهى رحلة دائرية تضطر الأسر للجوء لحلول صعبة، مثل “الجمعيات” أو الاستدانة من الأقارب أو الشراء بالتقسيط الذي انتشر بجنون، وهو ما يجعل الغد والمستقبل كله رهينة لشركات تمويل ودائنين يأكلون الأخضر واليابسز

المؤكد ان التآكل المستمر في القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفقيرة لا يتوقف أثره عند حدود المال، بل يتسلل إلى البناء النفسي والترابط العائلي، وهو ما يدفع أو يؤدي إلى تحول العلاقات الإنسانية الدافئة إلى حوارات جافة تدور حول المال وما نملك وما لا نملك وكيف سنكمل الشهر، وهو ما يؤكد أيضا أن بيوتنا تحولت من مساحات للسكينة إلى إدارات مالية تبحث عن خطط للبقاء.

نحن لسنا أمام أزمة عابرة أو سحابة صيف، بل نحن أمام واقع اجتماعي جديد، عبارة عن أعباء سريعة ومبتكرة ودخل عاجز عن الملاحقة، والصمود أصبح مهارة إجبارية يمارسها الملايين كل صباح، وهم ينظرون إلى الأفق بتساؤل صامت: متى تتوقف تلك العجلة، ليتمكنوا فقط من التقاط الأنفاس دون خوف من تفاصيل الفصل القادم.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

روح أكتوبر: ملامح الاصطفاف حين يُعاد رسم الخرائط

أصلًا.. لا ظلًا

اثيوبيا تطورات سلبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2