أكد السفير محمد العرابي، عضو مجلس الشيوخ ووزير الخارجية الأسبق لمصر ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن العالم يشهد تحولات عميقة تعيد تشكيل النظام الدولي، في ظل تصاعد أدوار القوى المتوسطة وتزايد التحديات السياسية والأمنية على الساحة العالمية.
وأعرب العرابي، خلال كلمته في ختام منتدى السلام العالمي الرابع عشر بجامعة جامعة تسينغخوا في بكين، اليوم، عن تقديره لأمانة المنتدى لإتاحة الفرصة للمشاركة في مناقشة مهمة تتناول مستقبل النظام الدولي، مؤكدًا أن المتغيرات الحالية لم تعد تسمح بالاعتماد على التفسيرات التقليدية أو الحلول الجزئية في إدارة الأزمات الدولية.
وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات جذرية في طبيعة العلاقات الدولية، حيث أعادت الحرب في أوكرانيا القضايا العسكرية والأمنية إلى صدارة الاهتمام العالمي، ودفعت أوروبا ودول العالم إلى إعادة تقييم مفاهيم الأمن والطاقة والتحالفات الدولية.
وأشار إلى أن الحرب في غزة أثارت تساؤلات واسعة بشأن قدرة النظام الدولي على حماية المدنيين وتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، فيما كشف الصراع في السودان حجم التحديات التي تواجه الدول مع تعثر مسارات التسوية السياسية واستمرار النزاعات الداخلية لفترات طويلة.
وأضاف أن التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تؤكد من جديد أن استقرار منطقة الشرق الأوسط يظل مرتبطًا بشكل وثيق بأمن الطاقة والتجارة الدولية وحرية الملاحة والاستقرار العالمي.
أكد السفير محمد العرابي أن التطورات الدولية المتلاحقة كشفت عن ترابط غير مسبوق بين القضايا الأمنية والاقتصادية والإنسانية، موضحًا أن الأزمات لم تعد تقتصر آثارها على حدودها الجغرافية، بل امتدت إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية والهجرة والأمن الغذائي وحتى التوازنات السياسية الداخلية للدول.
وأوضح أن هذا الواقع يفرض دورًا أكبر للقوى المتوسطة في إدارة الأزمات الدولية، وعدم قصر المسؤولية على القوى الكبرى فقط، مشيرًا إلى أن أهمية القوى المتوسطة تكمن في قدرتها على بناء التفاهمات وفتح قنوات الحوار والمساهمة في احتواء النزاعات الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن القوى المتوسطة لا تُقاس فقط بحجم القوة، بل بقدرتها على تقريب وجهات النظر وتعزيز فرص الحوار، مستندة إلى عوامل متعددة تشمل الموقع الجغرافي والخبرة الدبلوماسية والعلاقات المتوازنة مع مختلف الأطراف، فضلًا عن فهمها لطبيعة البيئات الإقليمية المختلفة.

من منتدى السلام العالمي.. وزير الخارجية الأسبق يحدد دور مصر في احتواء أزمات المنطقة
وأكد أن مصر تمثل نموذجًا بارزًا للقوى المتوسطة ذات الدور الإقليمي والدولي الفاعل، بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بين العالم العربي وأفريقيا ومنطقة المتوسط والشرق الأوسط، إلى جانب خبرتها الدبلوماسية الممتدة في التعامل مع القضايا الإقليمية، بما يخدم الاستقرار ويحد من التصعيد.
وأوضح أن الموقف المصري تجاه الأزمة في غزة استند منذ البداية إلى أولويات واضحة، تشمل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير، والعمل على مسار سياسي يعالج جذور الأزمة، وليس تداعياتها فقط، مؤكدًا استمرار الجهود المصرية بالتنسيق مع الأطراف المعنية لمنع اتساع رقعة التصعيد.
وأضاف أن مصر تتعامل مع الأزمة السودانية انطلاقًا من أهمية الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، ودعم جهود وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية تحفظ استقرار السودان وسلامة أراضيه.
وفيما يتعلق بالتوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أوضح العرابي أن مصر تنظر إلى هذه التطورات من زاوية منع التصعيد والحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتأمين حرية الملاحة، مع التركيز على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع يصعب احتواؤها لاحقًا.
وشدد على أن أحد أهم أدوار القوى المتوسطة يتمثل في الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، وتشجيع الحلول السياسية، وتقليل مساحات التوتر، لافتًا إلى أن العديد من الصراعات لا تُحسم بالقوة وحدها، بل عبر التفاوض والتسويات السياسية وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
وأشار إلى أهمية ما وصفه بـ«الدبلوماسية الهادئة»، التي تعمل بعيدًا عن الضجيج الإعلامي لتحقيق نتائج طويلة المدى، ومنع تفاقم الأزمات وتقليل الكلفة الإنسانية للنزاعات، رغم التحديات المتزايدة الناتجة عن تصاعد الاستقطاب الدولي وتراجع الثقة بين القوى الدولية.
وأوضح أن القوى المتوسطة تواجه تحديات مرتبطة بالإمكانات والموارد والأدوات المتاحة، إلا أن دورها مرشح للتزايد مع اتساع فجوة الثقة بين القوى الكبرى، ما يعزز الحاجة إلى دول قادرة على التواصل مع مختلف الأطراف وخلق أرضية مشتركة للحوار.
وأكد أن دور القوى المتوسطة لا يجب أن يقتصر على الوساطة بعد اندلاع الأزمات، بل يمتد إلى المساهمة في منع التصعيد، والدفاع عن قواعد القانون الدولي، وحماية المدنيين، ودعم الحلول السياسية، والمشاركة في صياغة أجندة دولية أكثر توازنًا في ملفات الأمن والطاقة والغذاء والمناخ والتنمية وإعادة الإعمار.
وأشار إلى أن إصلاح منظومة الحوكمة العالمية لن يكون عادلًا دون منح دول الجنوب العالمي مساحة أوسع للمشاركة، خاصة أنها تتحمل تداعيات أزمات لم تكن سببًا فيها، موضحًا أن القوى المتوسطة يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تقليص الفجوة بين الشمال والجنوب، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الشعوب في التنمية.
وأكد أن إعادة تشكيل النظام الدولي لن تعتمد فقط على تحركات القوى الكبرى، بل أيضًا على قدرة القوى المتوسطة على دعم الاستقرار والحفاظ على التعاون الدولي، مشيرًا إلى أن مصر تواصل تبني نهج قائم على دعم الحلول السياسية وتشجيع الحوار واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.
واختتم العرابي بالتأكيد على أن العالم اليوم يحتاج إلى مزيد من الحكمة والتعاون، وليس إلى المزيد من الاستقطاب، موضحًا أن فاعلية القوى المتوسطة تكمن في قدرتها على بناء الجسور واحتواء النزاعات في اللحظات الأكثر تعقيدًا، بما يسهم في بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة وقدرة على مواجهة التحديات العالمية.

