الكاتب صلاح ذو الفقار
يؤكد الكاتب ذو الفقار في المقدمة: المشهد الجيوسياسي الجديد وفخ الابتزاز يتمحور في أن يمر الخليج العربي بأخطر منعطف تاريخي وجيوسياسي في العصر الحديث. فالمظلة الأمنية الغربية التي طالما اعتمدت عليها المنطقة لعقود بدأت تتآكل وتتحول إلى أداة ابتزاز مالي وسياسي مباشر. فالموافقة الأمريكية لباكستان تمت خلال الساعات الماضية بالسماح لها بإعادة استئناف مد خط أنبوب الغاز من باكستان إلى إيران وإلغاء ديون تقدر بحوالي 18 مليار دولار على باكستان كانت أخذت عليها كغرامات تأخير، وهو الخط الذي سيربط باكستان بطهران وستضخ إيران الغاز إلى باكستان بربع قيمته العالمية. والهدف واضح: سحب رجل باكستان ومظلتها النووية المحاصرة للسعودية، بالإضافة إلى التصريحات الأمريكية الأخيرة الصادرة عن مراكز القرار في واشنطن، والتي تلوح بفرض أعباء مالية باهظة وإجبار الخليج على دفع مليارات الدولارات تحت غطاء الحماية تارة والتعويضات لإيران تارة أخرى من جراء حرب لم يشارك الخليج في قرارها بل فرضت عليه، تثبت أن الدعم الخارجي لم يعد حليفاً موثوقاً، بل أداة لاستنزاف الثروات العربية في حروب وصراعات “لا ناقة للخليج فيها ولا جمل”.
في ظل هذا الواقع المرير، لم يعد أمام اللاعب الخليجي مساحة لـ”التباكي” على تغير المواقف الدولية، أو مواصلة الرهان على قوى إقليمية غير عربية تبحث عن مصالحها الخاصة. إن الخيار الوحيد المستدام لحفظ السيادة ومنع خطر الابتلاع هو الانتقال الفوري بالعلاقة مع جمهورية مصر العربية من مجرد “تنسيق سياسي ودبلوماسي” إلى “تحالف وجودي وعسكري شامل”.
ومن هنا نبدأ بتفكيك المشهد السياسي والعسكري:
*أولاً: تفكيك وهم “الأغراب”.. الرهانات الخاطئة على تركيا وباكستان*
لطالما نظرت بعض مراكز القرار في الخليج إلى قوى إقليمية مثل باكستان وتركيا كبدائل أمنية وعسكرية، لكن القراءة الدقيقة للمستجدات على الأرض تكشف زيف هذه المظلات الدفاعية:
1. *السقوط الاستراتيجي للمظلة الباكستانية:*
تداخل المصالح مع الخصوم: أثبتت التطورات الأخيرة إعادة تفعيل خط السك الحديدية الذي يمر عبر إقليم بلوشستان بين إسلام آباد وطهران، والتزام إيران بضخ الغاز لباكستان بأقل من سعره العالمي. هذا الاعتماد الباكستاني الطاقوي والاقتصادي على إيران ينهي أي فرضية لإمكانية وقوف باكستان عسكرياً ضد طهران لحماية الخليج.
وأوضح الكاتب ذو الفقار في تقريره أن الاستنزاف المالي بلا مقابل: على مدار عقود، لم تترجم “المظلة النووية الباكستانية” إلى دعم حقي؛ فلم تحصل الدول العربية على نقل للتكنولوجيا العسكرية، وظل وجود بعض القوات رمزياً ولأغراض تدريبية فقط. وعند الاختبار الحقي (مثل قرار البرلمان الباكستاني بالحياد عام 2015)، تبين أن الدعم المالي الخليجي الضخم لباكستان يذهب لإنقاذ اقتصادها دون تقديم رادع عسكري حقي للخليج.
2. *الأطماع التوسعية لتركيا (العثمانية الجديدة):*
حيث إن أنقرة لا تتحرك في المنطقة كحليف وجودي، بل كقوة إقليمية تبحث عن إحياء نفوذها الإمبراطوري القديم وتصريف صناعاتها العسكرية. الخليج بالنسبة لتركيا هو ساحة لتوسيع النفوذ ومصدر لتمويل مشروعاتها السياسية، وليس شريكاً في مصير واحد.
*ثانياً: مصر كعمق استراتيجي.. الحليف الأنقى بلا أطماع*
على النقيض من القوى الإقليمية الأخرى، تمثل مصر الركيزة الأساسية والأكثر أماناً للأمن القومي العربي لعدة أسباب جوهرية:
1. *غياب الأطماع التوسعية:*
لا تملك مصر أي أجندة إمبراطورية أو أطماع في ثروات وأراضي الأشقاء في الخليج. إن العقيدة العسكرية والسياسية المصرية قائمة على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وحماية الأمن المشترك.
2. *حماية شريان الحياة (الممرات المائية):*
يرتبط أمن الخليج الاقتصادي والنفطي بشكل مباشر بسلامة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس ومضيق باب المندب. مصر، بقوتها البحرية المتطورة وعمقها الجغرافي، هي القوة الوحيدة القادرة على تأمين هذا الممر الحيوي ومنع خنقه من قِبل القوى الإقليمية أو الدولية، مما يجعل استقرارها الاقتصادي والعسكري مصلحة خليجية عليا.
3. *معادلة “المال والقوة”:*
التحالف الوجودي الحقي يتطلب دمج الفائض المالي والاستثماري الخليجي مع العمق البشري والعسكري المصري. هذا الدمج لا يعود على شكل “مساعدات”، بل عبر استثمارات استراتيجية ذكية وبناء قاعدة تصنيع عسكري مشتركة داخل مصر، مما يخلق درعاً واقياً يسد الفراغ الأمني ويقطع الطريق أمام الطموحات الإسرائيلية والتمدد الإيراني.
*وأوصى الكاتب ذو الفقار في مجمل التوصيات*
إن الاستمرار في تقديم التنازلات المالية للقوى الدولية تحت وطأة وعباءة الابتزاز، أو الرهان على حلفاء يبحثون عن مصالحهم الذاتية كباكستان وتركيا، هو قصر نظر سياسي سيؤدي في النهاية إلى انكشاف أمني كامل للخليج.
إن التنبيه المبكر الذي يفرضه هذا التقرير يستوجب من قادة الخليج ومصر صياغة آليات تنفيذية فورية لبناء القوة العربية المشتركة، فالوقت لم يعد يسمح بالحلول المؤقتة، وقوة مصر الاقتصادية والعسكرية هي الضمانة الوحيدة لمنع اختلال ميزان القذوى وحماية الهوية العربية للمنطقة.

