ليس المهم أن تعرف كثيرًا… بل أن تعرف ما الجديد في المعرفة

محمد سعد عبد اللطيف

بقلم: محمد سعد عبد اللطيف

ليس المهم أن تقرأ كثيرًا، بل أن تعرف ما الجديد الذي تضيفه كل قراءة إلى وعيك. فالمعرفة ليست عدد الكتب التي تقتنيها، ولا عدد الصفحات التي تنهيها، وإنما قدرتك على اكتشاف الأفكار الجديدة، وقراءة الوثائق، وتحليل الوقائع، وربط الماضي بالحاضر بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.

أخبار متعلقة

روح أكتوبر: ملامح الاصطفاف حين يُعاد رسم الخرائط

أصلًا.. لا ظلًا

اثيوبيا تطورات سلبية

دَوِّر على الأصل

كثيرون يصفون أنفسهم بأنهم قراء، لكن القراءة وحدها لا تصنع المعرفة. فهناك من يجمع المعلومات كما تُجمع المقتنيات، دون أن يحللها أو يختبرها أو يعيد النظر فيها.

لذلك نرى أحيانًا وفرة في المعلومات، يقابلها فقر في الفهم، وكأن العقل أصيب بسوء هضم معرفي.

في السنوات الأخيرة أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعرفة عند كثير من الناس. حلّ الترند محل الكتاب، والفيديو القصير محل البحث، والمنشور المقتطع محل الوثيقة.

وهكذا انتقلت قطاعات واسعة من المجتمع من ثقافة البحث عن الحقيقة إلى ثقافة استهلاك المحتوى السريع.

لكن المعرفة لا تُقاس بعدد المشاهدات ولا بحجم التفاعل، بل بقدرتها على تفسير الواقع. فما ينتشر ليس بالضرورة صحيحًا، وما يحقق ملايين المشاهدات قد يكون مجرد رأي أو معلومة منزوعة من سياقها.

ولهذا ظل الفلاسفة يؤكدون أن التفكير النقدي هو جوهر المعرفة. فقد حذر شوبنهاور من القراءة التي تُعطل التفكير المستقل، ودعا نيتشه إلى التحرر من الأفكار الموروثة التي تمنع الإنسان من إنتاج رؤيته الخاصة، بينما كشف كافكا كيف يمكن أن يعيش الإنسان وسط عالم مليء بالمعلومات، لكنه يزداد اغترابًا كلما فقد القدرة على الفهم العميق.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس نقص المعلومات، بل تراجع قيمة العقل النقدي أمام سيل المحتوى الرقمي. فقد أصبحت الخوارزميات تحدد ما نقرأ وما نشاهد، حتى بات كثيرون يخلطون بين الأكثر انتشارًا والأكثر صحة.
إن المجتمع الذي يهجر الكتاب والوثيقة والبحث العلمي، ويكتفي بمنشور أو مقطع فيديو، يفقد تدريجيًا قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعرفة والانطباع.

المعرفة الحقيقية تبدأ بالسؤال، وتكتمل بالبحث، ولا تنتهي عند أول إجابة. فالعقل الذي يتوقف عن التساؤل يتوقف عن النمو، والقارئ الذي لا يراجع أفكاره يبقى أسيرًا لما يقرؤه لا صانعًا لمعرفته.

ولذلك، ليس المهم أن تعرف كثيرًا، بل أن تعرف ما يستحق أن يُعرف، وأن تظل قادرًا على مراجعة قناعاتك كلما ظهرت وثيقة جديدة أو حقيقة أكثر دقة. فهذه هي المعرفة التي تصنع الإنسان، وتصنع الأمم.،،!!

محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

روح أكتوبر: ملامح الاصطفاف حين يُعاد رسم الخرائط

أصلًا.. لا ظلًا

اثيوبيا تطورات سلبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2