تقرير استقصائي حصري البيان المصرية : إمبراطوريات “الكاش” في عدن العائلية.. كيف تبتلع بنوك عدن الإسلامية الودائع السعودية وتتحكم بالقرار السيادي؟

تقرير استقصائي أعده الكاتب: اليمني صلاح ذو الفقار عدن – القاهرة حصري – البيان المصرية

تحت غطاء “المصرفية الإسلامية” ولافطات التمويل الأصغر، تشهد العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة ولادة “دولة عميقة” جديدة، لا تتحرك بالدبابات أو الشعارات السياسية، بل بـ “ضغطة زر” على شبكات الحوالات المالية.

أخبار متعلقة

لماذا رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاقية السد مع مصر؟.. حكاية 14 سنة من المفاوضات

أبرز ما جاء في ختام أعمال “منتدى العلمين للأعمال في أفريقيا”

الأرصاد: فرق الحرارة بين ليلاً ونهاراً تزيد فرص الإصابة بالأمراض.. خلي بالكم

رسائل تحملها  القمة الرباعية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال

في هذا التحقيق، نكشف بالحقائق والأسماء كواليس عملية “التفريخ الجماعي” للبنوك والمصارف الإسلامية الجديدة، وكيف تحولت أسماء مألوفة في عالم الصرافة مثل (البُسيري، القُطيبي، بن دُوَل، الشمول، حضرموت، والعُمقي) إلى إمبراطوريات مالية عائلية عابرة للحدود، تمتص الودائع والدعم السعودي، وتصنع القرار السياسي مرغماً على أرض الواقع.

لغز صمت المركزي: لماذا غابت المساءلة عن مصادر الأموال؟

يبرز هنا السؤال الأهم والأخطر الذي يطرحه خبراء المال والاقتصاد: لماذا لا يقوم البنك المركزي في عدن بمساءلة هذه البنوك قبل إنشائها عن مصادر أموالها؟

في القوانين المصرفية الدولية، يُعد التحقق من “شرعية رأس المال” أول خطوة ترخيصية، لكن في حالة عدن، غابت هذه المساءلة تماماً بحكم “التواطؤ المتبادل”، البنك المركزي، الضعيف والفاقد للموارد، كان يتحرك بدافع سياسي واقتصادي مستعجل لجذب الكتلة النقدية الهاربة من صنعاء وسحب البساط من الحوثيين.

ولذلك وافق على منح التراخيص وتثبيت هذه الملايين في حساباته الرسمية بمجرد استيفاء الشروط الورقية والضمانات، دون نبش حقيقي في السجلات التاريخية لهذه الأموال، ودون التساؤل إن كانت ناتجة عن تجارة سلاح، أو مضاربات عملة دمرت عيش المواطنين، لتتحول رخص البنك المركزي إلى “مغسلة رسمية” تمنح الأموال المشبوهة صك براءة قانوني.

وهم “الشبكة الموحدة”.. تمرد العُمقي والبسيري والقطيبي على الرقابة

وفي محاولة شكلية لإظهار السيطرة أمام المجتمع الدولي، أنشأ البنك المركزي ما يُعرف بـ “الشبكة الموحدة للأموال” (UNEM)، وأجبر البنوك والشركات على المشاركة فيها لتتبع الحوالات ومكافحة غسل الأموال.

لكن الحقيقة الصادمة على الأرض تكشف أن هذه الشبكة الموحدة ليست سوى واجهة كرتونية؛ إذ إن غالبية الشبكات الكبرى لا تخضع لرقابة البنك المركزي الفعلية. فإمبراطوريات مثل (العُمقي والبسيري والقطيبي مثلا ) ما زالت تحتفظ بـ شبكات تحويل خاصة ومستقلة تعمل كأنظمة موازية للدولة.

وعلى سبيل المثال، تفرض شبكة “العُمقي” والبشري والقطيبي والشمال إغلاقاً تاماً على نظامها، حيث لا يُسمح لأي صراف مستقل بالدخول إليها أو الاطلاع على حركة تدفقاتها. هذا الانغلاق التقني والمالي يجعل مئات الملايين من الدولارات والريالات تتحرك يومياً بعيداً عن عين البنك المركزي، مما يحول هذه الشبكات الخاصة إلى “صندوق أسود” يمرر الحوالات المشبوهة دون حسيب أو رقيب.

إمبراطوريات العقار والطاقة.. آلية التبييض الذكي

عند النزول الميداني إلى شوارع عدن والمحافظات المجاورة، يظهر بوضوح أن نشاط بنوك (البسيري، بن دول, القطيبي، الشمول، حضرموت، والعمقي) لم يعد يقتصر على فتح الحسابات والحوالات. بل امتدت هذه الكيانات لتأسيس شركات خاصة ومستقلة في قطاعات الطاقة المشتراة والوقود، المستشفيات الخاصة، الفنادق الفاخرة، وشركات الطيران والسفريات.

في علم مكافحة غسل الأموال (AML)، يُعد الاستثمار في هذه القطاعات ذات التدفق النقدي اليومي الهائل (“الكاش”) هو الأسلوب الأنجح لإخفاء مصادر الأموال عبر فواتير وهمية يصعب تتبعها، فضلاً عن تحويل هذه البنوك إلى “ممول بديل” لحكومة شرعية مفلسة عاجزة عن تصدير نفطها، مما جعل القرار الحكومي رهينة لديهم.

ذرء الرماد في العيون.. لغز حسابات الموظفين

ولإكمال فصول “الشرعنة”، اتخذت وزارة المالية قراراً بإلزام كافة الجهات والمؤسسات الحكومية بفتح حسابات لموظفيها وصرف رواتبهم عبر هذه البنوك الإسلامية وبنوك التمويل الأصغر.

هذا القرار -الذي بدا كخطوة تنظيمية- وصفه مراقبون بأنه عملية “لذر الرماد في العيون” وتوفير غطاء شرعي دولي أمام مفتشي صندوق النقد الدولي والخزانة الأمريكية؛ حيث تستخدم هذه البنوك كشوفات رواتب الموظفين كصك براءة لإثبات وجود نشاط مصرفي مدني نظيف، في حين يتم استغلال السيولة النقدية الضخمة من الريال اليمني المودعة من الدولة للمضاربة في سوق الصرف وابتلاع الدولار قبل تسليمه للموظفين.

اللعب تحت الطاولة.. ابتلاع الودائع و تطويع “الانتقالي”

يكشف التحليل المالي للوضع في الجنوب عن توازنات مرعبة؛ حيث تبين أن كافة هذه البنوك الإسلامية الجديدة تقع جغرافياً وتمويلياً تحت تأثير ونفوذ شبكات تجارية مرتبطة تاريخياً بتنظيم الإخوان المسلمين (تيار حزب الإصلاح)، في حين لا يمتلك المجلس الانتقالي الجنوبي -المسيطر عسكرياً على الأرض- بنكاً واحداً يتبعه، ويكتفي بأخذ “الفتات” عبر جبايات النقاط الأمنية والاقتصاد الاستهلاكي السريع.

هذا التباين مكن الإمبراطوريات المالية من اللعب تحت الطاولة بطريقتين:

1. السيطرة على الانتقالي: نظرياً، تملك هذه البنوك بـ “ضغطة زر واحدة” القدرة على شل حركة الانتقالي وقطع رواتب نفوذه عبر تجفيف السيولة. لكنها لا تفعل ذلك، بل تستخدم ثقله العسكري كـ “مظلة أمنية” لحماية استثماراتها وفنادقها في عدن، مع إبقائه رهينة ماليّة لديها.

2. إرباك السعودية وامتصاص الودائع: في كل مرة تقدم فيها المملكة العربية السعودية دعماً مالياً أو وديعة لإنقاذ العملة، تتحرك هذه الشبكات المصرفية (البسيري، القطيبي، العمقي، بن دول، حضرموت، والشمول) لامتصاص هذه الكتلة النقدية عبر مزادات العملة والمضاربة، وتحويل الدعم الإقليمي إلى أرباح خاصة تغذي مشاريعها العائلية، مما يمنع تحقيق أي استقرار حقيقي يتعارض مع مصالحها الاحتكارية ويقوض المساعي السياسية للرياض في ترتيب الملف اليمني.

رعب البنوك الدولية.. متاهة الحسابات الوسيطة “أولاً وثانياً”

هذه الشرعنة المحلية المصطنعة للثروات لم تنطلِ على الساحة الدولية، بل أثارت قلقاً وفزعاً عميقاً لدى البنوك العالمية الكبرى، نتيجة لهذا القلق وخوفاً من التورط في تبييض أموال حروب، ترفض المصارف الدولية قطعياً التعامل المباشر مع هذه البنوك الجديدة، وحرمتها تماماً من ميزة فتح “حسابات مراسلة مباشرة”.

هذا الرفض وضع هذه الكيانات في عزلة مالية خانقة، حيث فرض النظام الدولي عليها شروطاً معقدة تلزمها بالمرور عبر “بنوك وسيطة أولى” في دول الخليج الإقليمية، والتي بدورها تفرض رقابة صارمة، ثم المرور عبر “بنوك وسيطة ثانية” دولية لتمرير أي معاملة أجنبية. هذه المتاهة المعقدة تجعل تكلفة التجارة باهظة جداً على المواطن اليمني، وتضع هذه البنوك تحت وطأة الفحص المستمر لهوية كل مستفيد من الأموال، مما يحرم عدن من أي ثقة دولية حقيقية.

مقصلة الاحتياطي الفيدرالي.. سيف أمريكا المسلط على “بنوك الظل”

ورغم هذا النفوذ المحلي الطاغي الذي يفرض شروطه على الحكومة والانتقالي، فإن هذه الإمبراطوريات المالية تصطدم بجدار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي)، الذي يمتلك بالتنسيق مع وزارة الخزانة “سلطة المقصلة المطلقة”.

يستطيع الفيدرالي الأمريكي إيقاف أي بنك من هذه البنوك (مثل القطيبي، البسيري، أو بن دول) وتجميد حساباته بالكامل في أي لحظة. فأي دولار يمر في شبكة هذه المصارف عبر البنوك الوسيطة يقع تحت المراقبة التكنولوجية الفورية لـ واشنطن. وإذا تجاوزت الكيانات الجديدة الخطوط الحمراء بتمويل جماعات مصنفة على قوائم الإرهاب، أو تسهيل معاملات مشبوهة لصنعاء، يُصدر الفيدرالي أمراً بقطعها عن نظام “سويفت” الدولي وعزلها ماليّاً، لتتحول هذه الإمبراطوريات في لحظة واحدة إلى مجرد “خزائن كرتونية” محلية مشلولة لا تملك القدرة على حركة سنت واحد في الفضاء الخارجي.

كشف الكيانات المصرفية وتضخم السوق: اقتصاد “ريعي” يبتلع عدن

ختاماً، نضع بين يدي القارئ والرأي العام كشفاً كاملاً بالبنوك الإسلامية ومصارف التمويل الأصغر التي أغرقت المشهد المالي في عدن، والتي وصل عددها في السجلات الرسمية إلى نحو 14 كياناً، من أبرزها:

1. بنك القُطيبي الإسلامي للتمويل الأصغر

2. بنك البُسيري الدولي

3. بنك بِن دُوَل للتمويل الأصغر الإسلامي

4. بنك الشُمول للتمويل الأصغر الإسلامي

5. بنك الشرق اليمني للتمويل الأصغر الإسلامي

6. بنك حضرموت التجاري

7. بنك العُمقي وإخوانه للتمويل الأصغر

8. بنك عدن الإسلامي للتمويل الأصغر

9. بنك عدن الأول الإسلامي

10. بنك القاسمي للتمويل الأصغر الإسلامي

11. بنك تَمكِين للتمويل الأصغر الإسلامي

12. بنك أمْجَاد للتمويل الأصغر الإسلامي

13. بنك الإنماء للتمويل الأصغر الإسلامي

14. بنك السلام كابيتال للتمويل الأصغر الإسلامي

لماذا لا يتحمل اقتصاد عدن هذا الكم الهائل من البنوك؟

يؤكد خبراء الاقتصاد أن حجم هذا التفريخ المصرفي المرعب لا يتناسب إطلاقاً مع القدرة الاستيعابية لاقتصاد مدينة عدن والمحافظات المجاورة. الصدمة الكبرى تكمن في أن وظيفة هذه البنوك الـ 14 ليست إنتاجية أو تنموية؛ فهي لا تساهم في تمويل مشاريع زراعية حقيقية، أو دعم قطاعات صناعية مستدامة، أو بناء بنية تحتية تخلق فرص عمل حقيقية للشباب.

بدلاً من ذلك، تعيش هذه البنوك على “نموذج ريعي طفيلي قائم على التربح السريع”. إنها تتغذى بالكامل على امتصاص دماء ثلاثة مصادر رئيسية:

  • عمولات وأرباح الحوالات المالية الداخلية بين المحافظات المنقسمة نقدياً.
  • الاستحواذ المسبق على رواتب الموظفين الحكوميين لتشغيل سيولتها في المضاربة.
  • التحويلات الخارجية للمغتربين اليمنيين، والتي تحولت إلى وقود يومي لشركات الصرافة والامتيازات العائلية التابعة للملاك.

لقد تشكلت في عدن “دولة مصرفية عميقة” أفرغت البنك المركزي ووزارة المالية من مضمونهما الرقابي، لتصبح هذه العائلات المالية هي الممسكة الحقيقية بخيوط اللعبة السياسية والاقتصادية والسيادية، والطرف الأقوى الذي يخطب الجميع وده على حساب قوت المواطن البسيط وانهيار العملة المحلية.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

لماذا رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاقية السد مع مصر؟.. حكاية 14 سنة من المفاوضات

أبرز ما جاء في ختام أعمال “منتدى العلمين للأعمال في أفريقيا”

الأرصاد: فرق الحرارة بين ليلاً ونهاراً تزيد فرص الإصابة بالأمراض.. خلي بالكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2