حرب الممرات: كيف تربط تيجراي مياه النيل بقناة السويس؟

بقلم: الدكتورة مايسة خليل حسن

الأكاديمية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية

أخبار متعلقة

الانتخابات الفلسطينية بين توحيد الجغرافيا وأولوية التوافق الوطني

إسرائيل وإيران أعداء العلن وحلفاء الخفاء 

3 انفجارات في مخازن الجيش السوري.. فتش عن إسرائيل

لا تُختصر في صورة

المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية

ثمة أزمات إقليمية لا تكشف عن نفسها دفعة واحدة، بل تتكشف على هيئة حلقات متفرقة، يبدو كل منها وكأنه حدث مستقل، حتى إذا ما نظرنا إليها مجتمعة، أدركنا أنها جميعا تنتمي إلى سلسلة واحدة.

وهذا هو حال ما جرى في سبتمبر 2026: ففي غضون أيام قليلة، أعلنت قوات تيجراي دخولها في حرب دفاعية ضد الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، وسيطرت على مطارات الشمال، وامتدت الاشتباكات إلى عفر وأمهرة، وتزامن ذلك مع تصاعد التوترات في مضيق باب المندب، ومع تصريحات إسرائيلية علنية تدعم سعي إثيوبيا إلى منفذ بحري على البحر الأحمر. هذه الوقائع ليست متفرقة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة تمتد من مرتفعات تيجراي إلى مياه النيل، ومن النيل إلى قناة السويس، ومن السويس إلى باب المندب. ولأن فهم هذه السلسلة يقتضي تجاوز القراءة الإخبارية إلى القراءة البنيوية، فإن هذا التحليل ينطلق من فكرة مركزية: أن ما يجري في إثيوبيا ليس صراعا داخليا يمكن عزله عن سياقه الجغرافي، بل هو أزمة ممرات، ممرات مائية وتجارية ونفوذ، تتنازع عليها قوى إقليمية ودولية، وتدفع مصر ثمنها المزدوج: مائيا في النيل، وبحريا في السويس.

 

ولفهم هذا التشابك، لا بد من العودة إلى الجغرافيا أولا، فهي التي تمنح هذه الأزمة خطورتها. إثيوبيا دولة يقطنها 130 مليون نسمة، لكنها دولة حبيسة بلا منفذ بحري منذ انفصال إريتريا عام 1993، وتستورد وتصدر ما يصل إلى 95% من تجارتها عبر ميناء جيبوتي، بكلفة اقتصادية باهظة وتبعية استراتيجية خانقة. وقد جعل رئيس الوزراء آبي أحمد من استعادة المنفذ البحري قضية وجودية، مصرحا بأن فقدان الوصول إلى البحر الأحمر كان خطأ يجب تصحيحه. هذا المطلب الوجودي، الذي ترفضه إريتريا ومصر معا، وإن لاختلاف الأسباب، هو ما يغذي جزءا كبيرا من التوترات في المنطقة، ويفسر لماذا تتحول الصراعات الداخلية الإثيوبية دائما إلى ملفات إقليمية متفجرة.

 

وهنا يمكن أن نفسر هذا السلوك نظرياً فإثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، تعاني من ما يمكن تسميته عقدة المنفذ، وهي حالة بنيوية تجعل الوصول إلى البحر ليس خيارا سياسيا بل ضرورة وجودية، تدفع الدولة إلى البحث عن بدائل قد تكون عدائية أو تحالفية، وأحيانا إلى المخاطرة بعلاقاتها الإقليمية بأكملها في سبيل كسر حصارها الجغرافي. وهذا الإطار، جغرافيا الحصار مقابل إرادة الانفتاح، هو ما يفسر لماذا تقبل إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثير للجدل، ولماذا تندفع نحو تحالفات غير متوازنة، ولماذا يظل سد النهضة، في نظر أديس أبابا، ورقة تفاوضية في معركة المنفذ قبل أن يكون مشروعا تنمويا.

 

وهنا يدخل الفاعل الإسرائيلي في المعادلة بقوة، ليس بوصفه طرفا عارضا، بل بوصفه راعيا استراتيجيا لمشروع إعادة تشكيل البحر الأحمر. فقد أعلن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، دعم بلاده القوي للجهود الإثيوبية الرامية إلى تأمين منفذ بحري على البحر الأحمر، مؤكدا أن تمكين إثيوبيا وتعزيز قدراتها يمثل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف. هذا التصريح لم يكن وليد اللحظة، بل تتويجا لمسار طويل من التقارب الاستراتيجي بين تل أبيب وأديس أبابا، تجسد في استقبال الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ في فبراير 2026 نظيره الإثيوبي في زيارة رسمية تندرج في إطار ترسيخ حضور إسرائيلي متنام في القرن الأفريقي.

 

لكن الدعم الإسرائيلي لا يقتصر على الدبلوماسية. فقد كشفت تقارير متعددة عن دور إسرائيلي في دعم القدرات العسكرية الإثيوبية، بما في ذلك إمداد أديس أبابا بطائرات مسيرة متطورة لعبت دورا حاسما في الحرب ضد تيجراي سابقا. ويأتي هذا الدعم في إطار مقايضة سياسية واضحة: إسرائيل تدعم إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، مقابل دعم إثيوبي لسياسات إسرائيل الإقليمية، بما في ذلك الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي في ديسمبر 2025، وهو الاعتراف الذي أثار إدانة واسعة في الأمم المتحدة، لكنه يخدم هدفا استراتيجيا واضحا: منح إسرائيل موطئ قدم على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، على مقربة من مضيق باب المندب.

 

وهكذا تتشكل معادلة ثلاثية: إسرائيل وإثيوبيا وأرض الصومال، تسعى إلى خلق تحالف أمني وسياسي في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وإذا تحقق هذا التحالف، فإن إسرائيل ستجد نفسها في موقع يمكنها من مراقبة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، والضغط على مصر من الجنوب، وموازنة النفوذ الإيراني في اليمن، دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر في شرق أفريقيا. وهنا تظهر لعبة الممرات بجلاء: فإسرائيل لا تريد احتلالا، بل تريد نقاط ارتكاز على الممرات، وهو ما يمكن تسميته الهيمنة المفصلية، سيطرة غير مباشرة على المفاصل الحيوية للتجارة والملاحة، دون تحمل كلفة الاحتلال أو المسؤولية السياسية.

ويمكن قراءة هذا التقارب من خلال مفهوم التحالفات المرنة وهي: تحالفات لا تقوم على أيديولوجيا مشتركة أو تاريخ واحد، بل على تقاطع مصالح مؤقت في مواجهة خصوم مشتركين، وهي تحالفات سريعة التشكل، سريعة التفكك، لكنها قادرة على إحداث تغييرات عميقة في موازين القوى الإقليمية. لكن الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا لا يقتصر على التصريحات الدبلوماسية؛ فقد كشفت تقارير متعددة عن دور إسرائيلي في دعم القدرات العسكرية الإثيوبية، بما في ذلك إمداد أديس أبابا بطائرات مسيرة متطورة لعبت دورا حاسما في الحرب ضد تيجراي سابقا. ويصف محللون عسكريون هذا الدعم بأنه يأتي في إطار مقايضة سياسية: إسرائيل تدعم إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، مقابل دعم إثيوبي لسياسات إسرائيل الإقليمية، بما في ذلك الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي. هذا الاعتراف، الذي أعلنته إسرائيل في ديسمبر 2025، أثار إدانة واسعة في الأمم المتحدة، لكنه يخدم هدفا استراتيجيا واضحا: منح إسرائيل موطئ قدم على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، على مقربة من مضيق باب المندب. وهكذا تتشكل معادلة ثلاثية: إسرائيل وإثيوبيا وأرض الصومال، تسعى إلى خلق تحالف أمني وسياسي في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وإذا تحقق هذا التحالف، فإن إسرائيل ستجد نفسها في موقع يمكنها من مراقبة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، والضغط على مصر من الجنوب، وموازنة النفوذ الإيراني في اليمن، دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر في شرق أفريقيا. وهنا تظهر لعبة الممرات بجلاء: فإسرائيل لا تريد احتلالا، بل تريد نقاط ارتكاز على الممرات، وهو ما يمكن تسميته الهيمنة المفصلية، سيطرة غير مباشرة على المفاصل الحيوية للتجارة والملاحة، دون تحمل كلفة الاحتلال أو المسؤولية السياسية.

 

والخطر لا يتوقف عند هذا الحد. فمع انهيار اتفاق بريتوريا، تنفتح إثيوبيا على حرب الجبهات المتعددة: جيش تحرير أورومو في الجنوب، وميليشيا فانو في أمهرة، وقوات تيجراي في الشمال، وعفر في الشرق. وهذا التشتت يفرض تحديا هائلا على الجيش الفيدرالي حتى مع امتلاكه تفوقا جويا بالطائرات المسيرة. والأخطر من ذلك أن هذا الصراع المتعدد الأطراف يخلق فراغا أمنيا يمكن أن تستغله جماعات مسلحة أخرى، في منطقة تعد ملتقى طرق للتهريب والاتجار غير المشروع. ويمكن تفسير هذا الوضع من خلال مفهوم الفراغ الأمني المتشابك: وهو فراغ لا ينشأ من غياب السلطة فحسب، بل من تعدد الفاعلين المسلحين وتداخل أجنداتهم، بحيث يصبح من المستحيل تحديد من يسيطر على ماذا، ومن يتحالف مع من، ومن يقاتل من. وفي هذا الفراغ، لا تختفي الدولة فقط، بل تختفي أيضا إمكانية أي تسوية سياسية شاملة، لأن كل طرف مسلح يرى في استمرار الفوضى فرصة لتحسين موقعه التفاوضي.

 

وهنا يبرز الدور المصري كعامل توازن مركزي في هذه الجبهات المشتعلة. فمصر ليست طرفا هامشيا في معادلة البحر الأحمر، بل هي الدولة التي لا تزال تحقق، حتى الآن، قدرا من التوازن الأمني في مواجهة تصاعد النفوذ الإسرائيلي والاضطراب اليمني. فالقاهرة تدرك أن أي فراغ أمني في باب المندب أو في إثيوبيا سيملأ حتما بقوى لا تخدم الاستقرار الإقليمي. ولذلك، فإن الدبلوماسية المصرية تتحرك على ثلاثة مسارات متوازية: المسار الأول هو الحفاظ على وحدة إثيوبيا ومنع انهيارها، ليس حبا في نظام آبي أحمد، بل لأن الفراغ في دولة بحجم إثيوبيا سيكون كارثيا على الأمن المائي المصري وعلى استقرار البحر الأحمر معا. والمسار الثاني هو التمسك بحل تفاوضي لسد النهضة، مع الاحتفاظ بحق مصر في اتخاذ ما تراه مناسبا لحماية أمنها المائي. والمسار الثالث هو حماية الملاحة في قناة السويس وباب المندب، عبر التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية، ورفض أي ترتيبات أمنية تقصي مصر أو تهدد مصالحها. ويمكن توصيف هذا الدور المصري بمفهوم الموازنة الأمنية الوقائية: دور لا يسعى إلى الهيمنة، بل إلى منع انزلاق النظام الإقليمي إلى فوضى شاملة، عبر مزيج من الدبلوماسية والردع والحضور في المحافل الدولية، دون الانخراط في صراعات مباشرة.

 

وقد أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي هذا الموقف بوضوح، حين شدد على أن مصر تدعم وقف التصعيد بالكامل وليس التصعيد في باب المندب وحرية الملاحة، محذرا من أن مصر هي الدولة الأكثر تأثرا بأي مشكلة تحدث في الملاحة. كما شدد على أن مصر تميز بين حق إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري لأغراض تجارية، وبين السعي إلى الحصول على نفاذ بحري لأغراض عسكرية، مؤكدا أن القاهرة ترفض الخيار الأخير. هذا الموقف يعكس إدراكا استراتيجيا دقيقا: فمصر لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية، لكنها ترفض أي ترتيب يمنح إسرائيل موطئ قدم عسكري على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، أو يحول باب المندب إلى ساحة صراع دائم. وبذلك، تظل القاهرة، حتى الآن، الطرف الأكثر حرصا على استقرار النظام الإقليمي، والأكثر قدرة على لعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة، والأكثر تأثرا بأي خلل في هذا النظام.

 

 

 

ويقتضي استشراف مستقبل هذه الأزمة الانطلاق من ثلاثة مؤشرات قابلة للرصد، تحكم مسارها في الأشهر المقبلة. المؤشر الأول هو تماسك الجبهة الداخلية الإثيوبية، ويقيس قدرة الحكومة الفيدرالية على الصمود في وجه التحالف السبعي، ومدى نجاح هذا التحالف في تحويل مكاسبه الميدانية إلى ضغط سياسي. والمؤشر الثاني هو حجم النفوذ الخارجي في البحر الأحمر، ويقيس مدى تمدد المشروع الإسرائيلي الإثيوبي في أرض الصومال، وقدرة مصر ودول الإقليم على احتواء هذا التمدد. أما المؤشر الثالث فهو استدامة الملاحة في باب المندب وقناة السويس، ويقيس حجم الخسائر الاقتصادية، واتساع نطاق التهديدات، وقدرة القوى الدولية على تأمين الممر.

 

وعلى أساس هذه المؤشرات الثلاثة، يمكن بناء أربعة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحا في المدى القصير، هو الاستنزاف الممتد: استمرار القتال على جبهات متعددة في إثيوبيا، مع بقاء باب المندب تحت ضغط الحوثيين، لكن مع استمرار مصر في لعب دور الضابط للأمن الإقليمي عبر الدبلوماسية وحماية الملاحة. في هذا السيناريو، لا تنتصر أي من الأطراف عسكريا، لكن الأزمة لا تنزلق إلى فوضى شاملة بفضل وجود طرف إقليمي قادر على احتواء التداعيات. ويظل هذا السيناريو قائما طالما ظلت خسائر قناة السويس دون عتبة العشرين مليار دولار سنويا، وطالما لم تتمكن أي من الجبهات الإثيوبية من الوصول إلى العاصمة أو إسقاط الحكومة، وطالما بقي التمدد الإسرائيلي في أرض الصومال محدودا بوجود دبلوماسي أو أمني غير هجومي.

 

السيناريو الثاني، وهو أقل احتمالا لكنه لا يمكن استبعاده، هو الانهيار السريع: إذا نجح التحالف السبعي في فتح جبهات متزامنة، وانهارت الحكومة الفيدرالية، فإن المنطقة ستواجه فراغا سياسيا هائلا في دولة بحجم إثيوبيا. في هذه الحالة، سيكون الاختبار الأكبر لمصر: هل تستطيع احتواء الفراغ وحماية أمنها المائي؟ أم ستنزلق المنطقة إلى صراع مفتوح على النيل والبحر الأحمر معا؟ وينتقل الوضع إلى هذا السيناريو إذا تجاوز عدد الجبهات النشطة في إثيوبيا خمس جبهات متزامنة، أو إذا سقطت مدن كبرى مثل بحر دار أو ميكيلي في أيدي المعارضة، أو إذا انهارت سيطرة الجيش الفيدرالي على مطار بولي الدولي في أديس أبابا.

 

السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة على المدى البعيد، هو التوازن المتنازع: نجاح المشروع الإسرائيلي الإثيوبي في ترسيخ وجود استراتيجي على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، عبر تحالف مع أرض الصومال ودعم إثيوبيا عسكريا. هذا السيناريو يعني تحول البحر الأحمر إلى بحيرة متنازعة بين محور إسرائيلي إثيوبي من جهة، ومصر ودول المنطقة من جهة أخرى، وهو ما ستقاومه القاهرة بكل أدواتها الدبلوماسية والاستراتيجية. وينتقل الوضع إلى هذا السيناريو إذا أقامت إسرائيل قاعدة بحرية أو جوية دائمة في أرض الصومال أو في جيبوتي، أو إذا حصلت إثيوبيا على منفذ بحري سيادي عبر اتفاق ثنائي يتجاوز الإطار التجاري، أو إذا تشكل تحالف عسكري معلن بين إسرائيل وإثيوبيا وأرض الصومال يستهدف موازنة مصر في البحر الأحمر.

 

أما السيناريو الرابع، فهو نزاع الممرات الممتد: حيث لا تندلع حرب شاملة، لكن تبقى الممرات، باب المندب وقناة السويس ومضائق النيل، في حالة توتر دائم، مع عمليات عسكرية محدودة، وتهديدات متبادلة، وارتفاع مستمر في كلفة التأمين البحري. هذا السيناريو هو الأكثر تعقيدا لأنه لا يحسم شيئا، بل يحول الأزمة إلى حالة مزمنة من اللاحرب واللاسلم، تستنزف الجميع دون أن تمنح أي طرف نصرا. في هذا السيناريو، لا تتوقف الملاحة تماما، لكنها تتراجع بنسب تتراوح بين 30% و50%، وترتفع أقساط التأمين على السفن إلى مستويات قياسية، وتتحول المياه الإقليمية إلى ساحة مناورات دائمة بين القوى الإقليمية والدولية. وينتقل الوضع إلى هذا السيناريو إذا استمرت الاشتباكات المتقطعة في باب المندب لأكثر من ستة أشهر دون حسم، أو إذا تكررت عمليات استهداف السفن التجارية بمعدل يتجاوز حادثا كل أسبوعين، أو إذا انخفضت إيرادات قناة السويس بنسبة تتجاوز 40% لربع سنوي كامل دون تعاف.

 

وفي ضوء هذه السيناريوهات، تبرز توصيات سياسية عملية يمكن أن تشكل إطارا لتحرك مصر ودول الإقليم. أولا، يجب على مصر أن تتحرك دبلوماسيا لعقد مؤتمر إقليمي شامل حول أمن البحر الأحمر، يضم دول الجوار والخليج والاتحاد الأفريقي، بهدف وضع إطار ملزم لحرية الملاحة ومنع عسكرة الممرات، على غرار اتفاقيات حظر انتشار الأسلحة في الممرات الدولية. ثانيا، ينبغي تعزيز التنسيق المصري السعودي الإماراتي في البحر الأحمر، عبر آلية أمنية مشتركة تتولى تبادل المعلومات ومراقبة الملاحة، وتوفر بديلا إقليميا عن الترتيبات الأمنية الخارجية. ثالثا، يمكن لمصر أن تطرح مبادرة لحل أزمة سد النهضة في إطار صفقة إقليمية أوسع، تربط بين أمن إثيوبيا المائي وأمن مصر المائي واستقرار البحر الأحمر، بحيث يصبح الاتفاق حول النيل جزءا من تسوية شاملة تشمل المنفذ البحري والملاحة. رابعا، يجب على مصر أن تدعم أي وساطة إقليمية لإنهاء الحرب في إثيوبيا، لأن استمرار الفوضى هناك يخدم أجندات خارجية لا تخدم الاستقرار الإقليمي، ويقوض أي فرصة لتسوية عادلة حول النيل. خامسا، ينبغي أن تتحرك مصر في المحافل الدولية، وخاصة مجلس الأمن، لتبني قرار يضمن حرية الملاحة في باب المندب وقناة السويس، ويمنع أي ترتيبات أحادية الجانب تمس السيادة المصرية على القناة أو تهدد أمنها القومي. وسادسا، يمكن لمصر أن تستثمر علاقاتها مع دول القرن الأفريقي، وخاصة الصومال وجيبوتي وإريتريا، لبناء تحالف إقليمي يوازن التمدد الإسرائيلي الإثيوبي، ويضمن لمصر حضورا استراتيجيا في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

 

والخلاصة التي تفرض نفسها هي أن ما يجري في تيجراي وباب المندب ليس أزمتين منفصلتين، بل أزمة واحدة متعددة الأوجه تتقاطع فيها الجغرافيا والمياه والملاحة والصراعات المحلية والتنافس الدولي. غير أن القراءة العميقة لهذه التقاطعات تكشف عن حقيقة أكثر إقلاقا: أن هذا الاشتعال ليس وليد الصدفة، ولا هو نتيجة تلقائية لتراكم أخطاء داخلية، بل هو في جوهره اشتعال مفتعل، تتداخل فيه أياد خارجية تخدم مشروعا توسعيا إسرائيليا يهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فإسرائيل التي تدعم استمرار الحرب في إثيوبيا عبر إمداد أديس أبابا بالسلاح والطائرات المسيرة، ليست وسيطا محايدا ولا شريكا تنمويا، بل طرفا يسعى إلى إبقاء إثيوبيا ضعيفة وممزقة، حتى تظل في حاجة دائمة إلى الحماية الإسرائيلية، وتبقى رهينة لمشروع المنفذ البحري الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بموافقة إسرائيلية ورعاية أمريكية. وإسرائيل التي تدفع نحو تفتيت إثيوبيا إلى كيانات متنازعة، عبر دعمها لتحالف مسلح يضم سبع جماعات، لا تهدف إلى الديمقراطية ولا إلى حقوق الإنسان، بل إلى خلق فراغ استراتيجي يسمح لها بالتمدد في أرض الصومال وجيبوتي وإريتريا، والاقتراب من مضيق باب المندب، ووضع يدها على الشريان الذي يمر عبره نفط الخليج وتجارة آسيا وأوروبا.

 

ومصر التي تحرس النيل تجد مياهها مرهونة باستقرار دولة على حافة الانهيار، بينما تخسر عائداتها في قناة السويس بسبب اضطرابات باب المندب، وتواجه تحالفا إسرائيليا إثيوبيا يهدد أمنها الجنوبي. لكن القاهرة، حتى اللحظة، هي الطرف الذي يمسك بخيط التوازن الأمني في المنطقة، وهي التي تمنع انزلاق البحر الأحمر إلى فوضى كاملة، وهي التي تدرك أن ما يجري ليس مجرد حرب داخلية إثيوبية، بل حلقة في مشروع أوسع يستهدف تقويض الأمن القومي المصري من الجنوب، عبر التحكم في منابع النيل تارة، وفي ممرات البحر الأحمر تارة أخرى. وفي غياب تسوية سياسية شاملة في إثيوبيا، واستعادة الأمن في باب المندب، وضبط التمدد الإسرائيلي في القرن الأفريقي، فإن المنطقة مقبلة على مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، مرحلة قد لا تكون فيها سلام بريتوريا سوى ذكرى بعيدة.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

الانتخابات الفلسطينية بين توحيد الجغرافيا وأولوية التوافق الوطني

إسرائيل وإيران أعداء العلن وحلفاء الخفاء 

3 انفجارات في مخازن الجيش السوري.. فتش عن إسرائيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2