بقلم /سهام فودة
بعض النساء يلفتن النظر… وقليل منهن يتركن أثرًا.
والفارق ليس في جمال الملامح وحده، فالصورة قد تخطف العين للحظة، لكن العقل والشخصية والحضور هي التي تحدد ما يبقى بعد أن تختفي الصورة.
في زمن أصبحت فيه صورة واحدة على مواقع التواصل قادرة على صناعة انطباع كامل عن إنسان، أصبحنا أحيانًا نحاكم المرأة من لقطة، ونبني عنها حكاية من مظهرها، ونضعها في قالب لا يشبه حقيقتها. صورة أنيقة قد تُفسَّر بالغرور، وصورة بسيطة قد تُفسَّر بالضعف، واهتمام المرأة بجمالها قد يجعل البعض يتجاهل علمها وثقافتها، وكأن العقل والأنوثة لا يمكن أن يجتمعا في امرأة واحدة.
وهنا تكمن المفارقة الاجتماعية؛ فنحن نطالب المرأة بأن تكون واعية ومثقفة وناجحة، ثم نضع أمامها قائمة طويلة من الأحكام حول الطريقة التي يجب أن تبدو بها، وكيف تلبس، وكيف تظهر، وحتى كيف تلتقط صورتها.
لكن المرأة ليست صورة تُعلَّق عليها أحكام الآخرين.
أكثر النساء فتنةً ليست بالضرورة الأكثر زينة، بل تلك التي اجتمع فيها ما يصعب جمعه: عقل يعرف، وقلب يشعر، وأنوثة لا تحتاج إلى استعراض.
امرأة تستطيع أن تمسك قلم الحبر فتكتب فكرة تستحق أن تُقرأ، ثم تمسك قلم الحمرة فتمنح تفاصيلها الخاصة لمسة من الأناقة. لا ترى في الثقافة خصمًا للأنوثة، ولا في الاهتمام بالجمال تنازلًا عن العقل.
هي لا تختار بين أن تكون جميلة أو ذكية؛ لأنها تعرف أن الإنسان أكبر من الصورة التي تظهر على الشاشة.
وهذه الرسالة مهمة خصوصًا في عصر السوشيال ميديا؛ فالصورة أصبحت جزءًا من الحضور الاجتماعي، لكنها لا تملك وحدها حق تعريف أصحابها. خلف الصورة ساعات من القراءة والعمل والتجارب والنجاحات والانكسارات، وخلف الابتسامة حكاية لا يعرفها المتابع، وخلف المظهر الذي قد يحكم عليه البعض بسرعة عقل وشخصية لا تظهرهما الكاميرا.
المشكلة ليست في الصورة، وإنما في تحويلها إلى حقيقة كاملة.
فليس كل ما يلمع سطحية، وليس كل من يهتم بمظهره فارغًا، كما أن ارتداء النظارة وحمل الكتب لا يمنحان صاحبهما شهادة تلقائية بالعمق.
المعيار الحقيقي يظهر في التعامل، وفي الحوار، وفي المواقف، وفي احترام الاختلاف، وفي القدرة على التفكير قبل إطلاق الأحكام.
والأجمل أن المرأة الواعية لا تسمح للصورة بأن تصبح سجنًا لها؛ لا تعيش لإرضاء أعين الناس، ولا تجعل إعجاب الآخرين مقياسًا لقيمتها. تختار صورتها كما تختار كلماتها، لكنها تعرف أن قيمتها الحقيقية أبعد كثيرًا من إطار الصورة.
فالجمال قد يفتح باب الانتباه، لكن المعرفة هي التي تجعل للحضور معنى.
والعطر قد يترك أثرًا في المكان، لكن الكلمة الواعية تترك أثرًا في الذاكرة.
وحين يجتمع الحبر والحمرة في امرأة واحدة، لا يصبح الأمر مجرد مزيج من العلم والجمال، بل صورة أكثر اكتمالًا للمرأة التي لا تقبل أن يختصرها المجتمع في مظهر، أو تختزلها شاشة في لقطة، أو يحكم عليها أحد من زاوية واحدة.
هي امرأة لا تُختصر في صورة…
لأن وراء الصورة إنسانة كاملة لا يراها الكاميرا.

