بقلم: ماهر مقلد
تظل التطورات المتسارعة في منطقة جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب معيارا لرصانة المواقف وتقديرات الموقف، مصر ترى والعالم ان المرور المائي ليس مجرد مسار للتجارة الدولية بل هو امتداد مباشر للحدود البحرية والمصالح العليا للمنطقة. وفي الوقت الذي تسعى فيه جماعة الحوثي إلى فرض معادلات جديدة وتصوير أفعالها كأمر واقع يبحث عن شرعنة أو تنسيق، تقف مصر موقفاً يستند إلى قواعد أمنها القومي والقانون الدولي، مرفوقاً بوعي كامل بأبعاد المخطط الخارجى.
لا يمكن قراءة التحركات الحوثية في البحر الأحمر بعيداً عن محاولات توظيف جغرافيا باب المندب لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية. وتستند هذه التحركات إلى أسلوب قائم على اقحام النفوذ البحرى فى المعادلة.
تسعى الجماعة إلى إيجاد حالة من القبول الضمني بنفوذها الميداني، والتلميح بالقدرة على التحكم في حركة الملاحة والتأثير على مسارات الشحن العالمى والتأثير على سلاسل الإمداد والاقتصاد.
عبر رفع مخاطر الإبحار وتكاليف التأمين، يتم الضغط على الشركات الدولية للالتفاف حول طريق «رأس الرجاء الصالح»، وهو ما يمثل محاولة مكشوفة لاستخدام الأمن البحري كورقة تفاوض وضغط اقتصادي.
ومحاولة تحويل جنوب البحر الأحمر إلى بؤرة استقطاب، بغرض إكراه القوى الإقليمية والدولية على التعاطي المباشر مع الجماعة بعيداً عن أطر الشرعية الدولية المعتمدة أمام هذه المخططات، تعتمد مصر صياغة استراتيجية تتسم بالوضوح والحسم، دون السقوط في فخ الاستدراج أو منح أي غطاء غير شرعي لأي طرف رفض قاطع لشرعنة التهديد أو التنسيق المباشر.
تؤكد السياسة المصرية رسمياً أن حماية الملاحة الدولية لا تُدار بالترتيبات المؤقتة أو التنسيقات الفردية مع كيانات غير حكومية. فالاستجابة لأساليب فرض الأمر الواقع تعني منح شرعية لما هو غير شرعي، وهو ما تأباه الدولة المصرية لحماية هوية الممرات المائية الدولية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وبالتالي فإن أي مساس بحرية الملاحة هو استهداف مباشر لشريان الحياة الاقتصادي المصري. هذا الموقف المعلن رسمياً تتوجّه الدولة بالجاهزية التامة عبر الأسطول الجنوبي والقواعد البحرية الحديثة (وفي مقدمتها قاعدة برنيس)، لتأكيد القدرة على الردع وتأمين السواحل
ترى مصر أن الحل لا يكمن في تحويل البحر الأحمر إلى مسرح للحروب أو التحالفات المفتوحة التي تزيد الأزمة تعقيداً، بل عبر استعادة مؤسسات الدولة الوطنية اليمنية، والالتزام بحلول سياسية شاملة تعالج أسباب الأزمة من جذورها، بالتوازي مع تنسيق إقليمي ودولي متوازن لحماية حرية الملاحة.
إن الرسالة المصرية في ملف باب المندب تثبت أن الأمن القومي للدول الكبرى لا يُبنى على الترضيات أو مناورة الأمر الواقع. وسيبقى الموقف المصري – الملتزم بالقانون الدولي، والمؤيد للشرعية، والحاسم ميدانياً – هو الضمانة الحقيقية لحماية حركة التجارة العالمية وحفظ التوازن في واحدة من أهم المقاربات الاستراتيجية في العالم.

