كتب/ رضا طاهر الفقي
هناك لحظات في الحروب لا يُقاس فيها الحدث بما سقط من طائرات، بل بما سقط من معانٍ، ومن تلك اللحظات اللحظة التي يدخل فيها اسم مكة إلى البيان العسكري.
فحين تعلن الرياض أن دفاعاتها اعترضت مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال المحظور، وحين يخرج الحوثيون سريعًا لينفوا استهداف مكة أو أي موقع ديني، فنحن لسنا أمام خبر عسكري عادي، بل أمام اختبار حقيقي لطريقة تعاملنا مع المقدس نفسه.
والمعلومة التي نقلتها رويترز و«AP» و«CNN بالعربية» متطابقة في جوهرها، وهي أن مسيّرة أُسقطت جنوب مكة يوم 15 سبتمبر، وأن التحالف يقول إنها المحاولة الثانية بعد حادثة صاروخ 2017، بينما ينفي الحوثيون.
وحتى الآن، لم يُنشر للرأي العام مسار رحلة، ولا نقطة إطلاق موثقة، ولا تسجيل برمجة، ولا حطام معروض يسمح لطرف مستقل بأن يقول بثقة: نعم، كان الحرم هو الهدف المقصود.
وهذا هو الفارق الذي يضيع وسط ضجيج الحرب بين جملتين: الأولى تقول: «اعترضنا مسيّرة جنوب مكة»، وهي واقعة أمنية يمكن إثباتها، والثانية تقول: «المسيّرة كانت تستهدف مكة»، وهي حكم على النية. والحكم على النية في قضية بهذا الحجم يحتاج إلى دليل بحجم قدسية الاسم الذي تم الزج به.
مكة ليست قاعدة جوية، وليست منشأة نفطية، وليست نقطة عسكرية على الخريطة.. مكة تحت السيادة السعودية بحكم الجغرافيا والقانون، لكن قدسيتها ليست ملكًا سياسيًا لأحد؛ فهي قبلة أمة كاملة، ومهوى أفئدة مئات الملايين، ومهبط الوحي.
لذلك، حين يدخل اسمها بيانًا عسكريًا، فإن طبيعة المعركة تتغير فورًا، فحين تُضرب جازان، نحن أمام حرب، وحين تُضرب قاعدة، نحن أمام حرب، وحين تُضرب منشأة نفطية، نحن أمام حرب واقتصاد، لكن حين تدخل مكة إلى الرواية، تتحول القضية في لحظة إلى قضية دينية وأخلاقية تتجاوز حدود السعودية واليمن معًا، وتصبح الرسالة: ليس أن الحوثيين يهاجمون السعودية، بل أن الحوثيين يهاجمون مكة.
والفارق بين الجملتين ليس بلاغيًا؛ هو سياسي واستراتيجي. فالأولى تترك للعالم أن يحسب مصالحه، والثانية تضع مليارًا ونصف المليار مسلم أمام امتحان عاطفي فوري.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة تحويل المقدس إلى ذخيرة إعلامية؛ فالمقدس يمنح الخطاب شرعية لا يمنحها أي سلاح، ومن يستخدمه يكسب تعاطفًا لا يحتاج إلى إثبات، لكنه في المقابل يحمل نفسه مسؤولية مضاعفة، فمن يقول إن أقدس بقاع المسلمين كانت هدفًا، عليه أن يقدم دليلًا يمكن التحقق منه، لا بيانًا يطلب من الناس تصديقه لأنه يمس عقيدتهم.
ولا يكفي النفي الحوثي وحده لإثبات البراءة، ولا يكفي الاتهام السعودي وحده لإثبات الإدانة. المعيار واحد، وهو الدليل، والدليل هنا ليس ترفًا حقوقيًا، بل حماية لمكة نفسها من أن تصبح ورقة تفاوض أو أداة تعبئة.
والسياق يجعل الحذر واجبًا أكثر. فالواقعة تأتي في واحدة من أكثر مراحل الصراع حساسية، مع توسع القتال على ساحل البحر الأحمر، وضغط على مخزونات الاعتراض، وحديث عن طلب الرياض دعم حلفاء ووساطات.
وهذا السياق لا يثبت أن الرواية مختلقة، ولا نملك أدلة تجيز قول ذلك، لكنه يفسر لماذا يجب أن تكون معايير الإثبات أكثر صرامة، لا أقل، حين يأتي الاتهام في لحظة سياسية وعسكرية مشحونة.
ثم هناك سؤال لا يمكن الهروب منه: إذا كانت قدسية المكان هي المعيار، فالسعودية أدانت رسميًا خلال 2026 اقتحامات المسجد الأقصى، ورفضت المساس بالوضع التاريخي والقانوني للقدس، وشاركت في بيانات عربية وإسلامية تندد بإغلاق أبوابه أمام المصلين. وهذا موثق، لكن اللغة مختلفة.
فمع مكة نسمع فورًا: «خط أحمر» وإجراءات رادعة، ومع الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، نسمع: «ندين ونطالب المجتمع الدولي». والسؤال ليس: هل تحدثت السعودية عن الأقصى؟ نعم، تحدثت.. السؤال هو: لماذا تستدعي الجغرافيا داخل السيادة لغة الأمن القومي، بينما يستدعي المقدس خارجها لغة الدبلوماسية؟ وهل القداسة واحدة، أم أنها ترتفع وتنخفض حسب جواز سفر المعتدي؟.
ويأتي بعد ذلك ما يجعل قضية «الخط الأحمر» أكثر إحراجًا. ففي يناير 2026، نشرت وزارة العدل الأمريكية دفعة جديدة من ملفات جيفري إبستين، ومن بين المراسلات التي راجعتها وسائل إعلام، رسائل من فبراير ومارس 2017 ترتب شحن ثلاث قطع وُصفت بأنها مرتبطة بالكعبة، إحداها قيل إنها استُخدمت داخل الكعبة، وأخرى من الكسوة الخارجية، بقيمة عشرة آلاف وتسعمائة وثمانين دولارًا، ونُقلت كلوحات فنية.
ويجب هنا الانضباط الكامل؛ فلا يوجد في الأدلة المنشورة ما يثبت أن الحكومة السعودية أهدت إبستين كسوة الكعبة رسميًا، وقول ذلك كحقيقة سيكون تجاوزًا. لكن الموجود يطرح أسئلة لا تقل ثقلًا: كيف وصلت قطع وُصفت بهذه الصفة إلى شخص مدان منذ 2008؟ ومن كان يملك حق التصرف فيها؟ وبأي صفة خرجت؟
لذلك، القضية ليست: هل مكة خط أحمر؟ بالطبع، مكة خط أحمر، ولا يجادل مسلم في ذلك. القضية هي: من يملك حق استخدام اسم مكة لتغيير طبيعة حرب سياسية؟ ومن يضمن أن يبقى الخط الأحمر أحمر دائمًا، في الحرب وفي السلم؟.
فالمقدسات لا تتغير بتغير الخصم؛ لا تكون خطًا أحمر حين يكون المتهم حوثيًا، ثم بيان إدانة حين يكون الملف متعلقًا بطرف آخر، ثم قضية شحن بلا إجابات حين يتعلق الأمر بقطعة قيل إنها لمستها قلوب عشرة ملايين مصلٍّ.
مكة أكبر من الرياض، وأكبر من صنعاء، وأكبر من كل العواصم. هي أكبر من الحكومات والجيوش والحروب، وحين تدخل مكة إلى بيان عسكري، يجب أن يكون الدليل بحجم قدسية الاسم الذي تم الزج به، وإلا فنحن لا ندافع عن مكة، بل نستخدم مكة لندافع عن روايتنا.

