سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

بقلم: علياء رمزي

«نحن لا نحب كما نظن»

أخبار متعلقة

مكة ليست ورقة للمساومة.. عندما تُزج القداسة في ساحة المعركة

حكايات مصيرية

أوسلو بعد ثلاثة عقود

الجوع العاطفي

قبل أن تبدأ قراءة هذا المقال، أريد منك شيئًا واحدًا فقط:

ابتعد قليلًا عن ضجيج العالم، واجلس في ركن هادئ… مع فنجان قهوة، أو كوب شاي بالنعناع، أو ماتشا مثلجة، ثم افتح للحظات تلك الملفات المخفية والمنسية داخلك؛ الملفات التي ربما لم يسألك عنها أحد، وربما لم تجرؤ أنت يومًا على فتحها.

واسأل نفسك:

ما الذي يجعلني سعيدًا وأنا أخفيه في داخلي؟
ما الذي يجعلني أشعر بالحب بسعادة غامرة؟
ما الذي يجذبني ويوقظ السعادة في داخلي؟
وهل أنا، حقًا، أحببتُ بسعادة؟

ربما نحن لا نحب كما نظن…

وربما الأرواح لا تقع في الحب فجأة، بقدر ما تنجذب… وتتعرّف.

هذه حقيقة جميلة ومربكة في آنٍ واحد؛ فالأرواح والعقول والأفكار، المرئية منها والمخفية، والخيال، وحركة الأجساد، وغيرها الكثير من مكونات الإنسان، قد تنجذب إلى بعضها بعضًا بطريقة تكاد تكون مخيفة في دقتها.

حتى إيقاع التنفس قد يتناغم.
حتى الجسد ينجذب.
حتى التمايلات والانحناءات.
حتى نبرة الصوت.
حتى ألوان العيون.
حتى الأفكار والخواطر والأمنيات.
حتى الجلد والأصابع تستجيب لما تحبه وما يألفه إحساسها.

كل ذلك قادر على أن يتعرّف إلى شيء مألوف يسكن روحًا أخرى؛ إلى نبرة تشبه نبرته، وفكر يلامس فكره، وضحكة توقظ فرحًا قديمًا أو مخفيًا، وحزن يفهمه دون أن يُشرح… وربما إلى جرح يشبه جرحًا أخفاه طويلًا عن العالم.

ولهذا، هناك أشخاص لا نشعر أننا قابلناهم للمرة الأولى…

بل نشعر أننا تذكّرناهم.

وكأننا نعرفهم منذ زمن بعيد، وكأن شيئًا خفيًا في داخلنا يهمس:

I recognize something of myself in you.

وهنا تبدأ واحدة من أعقد التجارب الإنسانية: Emotional Recognition؛ ذلك الشعور بأن الآخر لا يبدو غريبًا تمامًا، لأن في تكوينه النفسي أو العاطفي أو الجسدي، المرئي منه والمخفي، شيئًا يوقظ أجزاء مألوفة فينا.

ننجذب أحيانًا إلى من يشبه طريقة إحساسنا؛ إلى من يضحك من الأشياء نفسها، ويتألم من التفاصيل نفسها، ويرى الحياة من نافذة قريبة من نافذتنا.

لكن الأكثر عمقًا أننا قد ننجذب أيضًا إلى من تحمل جروحه اللغة نفسها التي تتحدث بها جروحنا.

والأكثر دهشة أن ننجذب إلى من يحمل مفاهيم سعادتنا باللغة الفكرية والحسية نفسها التي تُسعدنا.

وربما لهذا يبدو بعض الحب «أكبر من حجمه».

تقابل شخصًا منذ وقت قصير، ومع ذلك تشعر نحوه بتاريخ كامل.

وتسأل نفسك: لماذا أشعر أنني أعرفه منذ سنوات؟

ربما لأن هذا الإنسان لمس شبكة كاملة من الذكريات والاحتياجات والارتباطات العاطفية داخلك. لمس نفسك الداخلية دون أن تشعر، فانجذبت إليه بكامل ما فيك.

فالانجذاب قد يكون نقاطًا جسدية وروحية ونفسية تتواءم بصورة شديدة التعقيد.

ويحضر هنا المعنى الوارد في الحديث الشريف: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف…»

لكن الانجذاب، مهما كان قويًا، لا يعني بالضرورة أننا وجدنا «الشخص الصحيح».

فعلى النقيض، نجد أنفسنا أحيانًا، تحت تأثير حياة متوارثة بغير وعي، لا نختار دائمًا من يسعدنا أو يشبهنا؛ بل نختار من يبدو مألوفًا لنا.

وهنا قد يبدأ جهل الإنسان بنفسه.

فهناك فارق بالغ الدقة بين ما هو Healthy وما هو فقط Familiar.

آه، لو أدرك الإنسان حجم المسافة بين الشعورين، وما يحمله كل منهما من فارق في جمال الحياة وسعادتها…

فليس كل ما نشعر معه بالألفة آمنًا، وليس كل ما نألفه حبًا، كما أن الانجذاب الشديد وحده ليس دليلًا على أننا وجدنا «الشخص الصحيح».

أحيانًا ننجذب لأن تكويننا النفسي والحسي والفكري والجسدي تعرّف إلى نمط مخفي في الآخر كان يبحث عنه بشدة؛ وما إن ظهر هذا الإنسان حتى انجذبنا إليه وكأننا نعرفه منذ الأزل.

ببساطة… لأنه أيقظ شيئًا كان مدفونًا في أعماقنا من الحب والسعادة.

وفي بعض العلاقات، يظهر ما يُعرف نفسيًا بـ Repetition Compulsion؛ أي الميل إلى إعادة سيناريو مألوف، وكأن النفس تحاول هذه المرة أن تكتب له نهاية مختلفة.

وقد تتداخل مع ذلك موروثات وعادات وتقاليد تكبت الرجل والمرأة معًا، وتدفعهما أحيانًا إلى اختيارات لم تنبع أصلًا من معرفة حقيقية بذواتهما.

وهنا يصبح الحب أكثر تعقيدًا؛ لأننا قد نخلط بين التعارف الحقيقي وبين مجرد تكرار ما اعتدناه، وبين السعادة التي تنبع من الأمان والسعادة التي تنبع من التعلق بالمألوف.

ولهذا أقول:

أحيانًا لا نقع في حب الشخص وحده… بل نقع في حب الجزء من أنفسنا الذي استيقظ عندما قابلناه.

نحب أنفسنا التي أصبحناها بقربه.
نحب الراحة التي شعرنا بها معه.
نحب إحساسنا بأن أحدًا رآنا أخيرًا بعد سنوات من الاختباء.

وربما لهذا يكون بعض الفراق مؤلمًا بصورة يصعب تفسيرها؛ لأننا لا نفقد إنسانًا فقط، بل نخشى أن نفقد نسخة من أنفسنا لم تظهر إلا معه.

الحب الحقيقي السعيد مرآة…

مرآة نرى فيها أنفسنا أجمل، وألطف، وأكثر قربًا مما نريد أن نكون.

والعلاقة العميقة تحمل شيئًا مما يسمى في علم النفس Mirroring.

فالآخر يصبح مرآة تكشف لنا ما لم نكن نراه بوضوح: احتياجاتنا، مخاوفنا، غيرتنا، قدرتنا على العطاء، ميولنا، خيالنا، أفكارنا المتشابهة، طفلنا الداخلي، حاجتنا إلى الطمأنينة، وحدودنا… وحتى الأجزاء التي أخفيناها عن أنفسنا.

وقد تلتقي روحان تحملان الفرح ذاته، وتتشابهان في أشياء كثيرة، وينجذبان بقوة… فتتسع بهما الحياة حتى يكاد الكون نفسه لا يسعهما.

وقد تلتقي روحان تحملان الجرح ذاته… فيشعر كل منهما أن الآخر يفهمه دون كلام.

وهذا جميل… لكنه قد يحمل خطر الانجذاب أيضًا.

فقد يبدو الحب أحيانًا «أكبر من حجمه» لأن اللقاء لمس جرحًا قديمًا أو حاجة عميقة أو صورة مألوفة في داخلنا، لا لأن العلاقة ناضجة بالضرورة أو قادرة على الاستمرار.

والحب الصحي لا يقوم على التشابه الكامل، ولا على ذوبان أحد الطرفين في الآخر، بل على القدرة على اللقاء مع الحفاظ على الذات.

والأجمل في الحب الأكثر نضجًا أن يحدث Resonance without Losing Individuality؛ تناغم دون ذوبان.

أن أراك قريبًا مني، لكنني لا أحوّلك إلى نسخة مني.
أن أحب اختلافك دون أن أشعر بأنه تهديد.
أن أقترب منك دون أن أفقد حدودي، وأن تحبني دون أن تمتلكني.

فالاندماج الكامل، Emotional Fusion، ليس دائمًا دليلًا على قوة الحب؛ فقد يكون أحيانًا دليلًا على هشاشة الحدود.

أما الحب الصحي فيقول:

أنا أحبك… لكنني ما زلت أنا.
وأنت تحبني… لكنك ما زلت أنت.
ونلتقي في المساحة بيننا دون أن يبتلع أحدنا الآخر.

بعض الأشخاص يدخلون حياتنا ليعيدونا إلى أنفسنا، وربما تكون هذه أجمل وظيفة لبعض العلاقات.

هناك إنسان يأتي ليوقظ فيك قدرتك على الحب.
وآخر يكشف لك جرحًا كنت تؤجل مواجهته.
وآخر يعلمك الحدود.
وآخر يجعلك تدرك أنك كنت تطلب من الآخرين حبًا كان عليك أن تبدأ بمنحه لنفسك.

وهناك شخص قد يدخل حياتك فلا يغير العالم من حولك، لكنه يغير الطريقة التي ترى بها نفسك.

وهنا تصبح العلاقة Journey of Self-Discovery؛ رحلة لاكتشاف الذات.

فالعلاقات ليست فقط أماكن نذهب إليها بحثًا عن الحب، بل مساحات نكتشف فيها أنفسنا:

من نحن عندما نخاف؟
من نحن عندما نشتاق؟
كيف نتصرف عندما نشعر بالرفض؟
ماذا نفعل عندما نحب؟
وهل نعرف كيف نحمي حدودنا حتى أمام من ترتجف له قلوبنا؟

إذن…

نحن لا نحب كما نظن.

ربما نحب لأن شيئًا في الآخر نادى شيئًا فينا.
ربما انجذب نورنا إلى نوره.
وربما انجذب جرحنا إلى جرحه.
وربما أحببنا فيه ما نفتقده، أو ما فقدناه، أو ما تمنينا يومًا أن نكونه.

ربما لا نقع في الحب كما نظن.

ربما نتعرّف أولًا… ثم ننجذب… ثم ننكشف.

وحين ننكشف، يبدأ الاختبار الحقيقي:

هل سنستخدم هذا اللقاء لكي نتعلق أكثر؟
أم لكي نفهم أنفسنا أكثر؟

فأعمق حب ليس ذلك الذي يجعلك تقول:

«وجدتُ نصفي الآخر.»

بل ذلك الذي يجعلك تهمس بعد رحلة طويلة:

«وجدتُ نفسي كاملة… ثم اخترتُك وأنا كاملة.»

لأن السعادة ليست أن تبحث عمّن يكملك، بل أن تلتقي بمن تتناغم معه وأنت كامل، وأن ترى في قربه شيئًا يشبه أعمق ما يسعد روحك.

ومن وجد شبيهه الذي يعطيه السعادة… فتلك هي السعادة.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

مكة ليست ورقة للمساومة.. عندما تُزج القداسة في ساحة المعركة

حكايات مصيرية

أوسلو بعد ثلاثة عقود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2