السيد خلاف يكتب: لماذا قالت مصر «لا» لاتفاق مكة؟

السيد خلاف

السعودية تبحث عن مظلة دفاعية.. والقاهرة ترفض أن تتحول إلى طرف في حروب الآخرين

اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ليس مجرد اتفاق عسكري جديد، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره وثيقة تعاون دفاعي عابرة.

أخبار متعلقة

طلال أبو غزالة: تعلم حتى أراك 

70 عامًا على الواقعة.. لماذا لا تزال قضية البابا يوساب تُدرس؟

سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار

فالنص الذي وُقّع اليوم في مكة يذهب أبعد من التعاون العسكري التقليدي، إذ يعتبر الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، وهو ما يمنح الاتفاق بعدًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز مجرد التدريب أو تبادل الخبرات العسكرية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا وقعت السعودية وتركيا وباكستان؟

السؤال الأخطر هو: لماذا لم تكن مصر طرفًا في هذا الاتفاق؟

والإجابة، في تقديري، لا تتعلق بخلاف مصري سعودي، ولا برفض القاهرة لفكرة حماية الخليج أو أمن البحر الأحمر،القضية أعمق من ذلك.

مصر تبدو وكأنها تقول لشركائها في المنطقة: نحن مع الأمن الإقليمي.. ولكننا لا نريد التزامًا عسكريًا مفتوحًا يجعل قرار الحرب والسلام خارج القاهرة، وهذه ليست نقطة صغيرة.

فمصر دولة لها تجربة تاريخية قاسية مع الحروب الإقليمية، ولديها حدود ومصالح مباشرة في ليبيا والسودان وغزة والبحر الأحمر، كما أن قناة السويس تجعل أي اضطراب في البحر الأحمر وباب المندب قضية أمن قومي مصري من الدرجة الأولى.

ولذلك عندما تتحدث القاهرة عن أمن البحر الأحمر، فإنها لا تتحدث عن أمن السعودية وحدها، وإنما عن منظومة أمنية تشمل الدول المشاطئة للممر البحري.

وقد أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي صراحة أن مصر تعمل مع الدول الإقليمية المشاطئة للبحر الأحمر من أجل توفير الأمن والاستقرار في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، والحفاظ على حرية الملاحة الدولية.

بل إن القاهرة كانت قد أعلنت موقفًا أكثر وضوحًا عندما أكدت أن حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المطلة عليه، في رسالة ذات دلالة استراتيجية شديدة الوضوح.

إذن.. مصر لا تقول: لن نحمي البحر الأحمر وإنما تقول: لن نسمح بتحويل أمن البحر الأحمر إلى ملف عسكري تتحكم فيه ترتيبات خارج إطار الدول المشاطئة.

وهنا نفهم لماذا تتعامل القاهرة بحذر شديد مع أي تحالف دفاعي جديد.

مصر لا تريد «شيكًا عسكريًا على بياض»

التحالفات العسكرية ليست بيانات سياسية.

عندما توقع دولة على اتفاق يقول إن الاعتداء على طرف هو اعتداء عليها، فإنها تكون قد قبلت مسبقًا بأن تتخذ موقفًا عسكريًا عندما يقع الاعتداء،وهنا تبدأ المشكلة،من هو المعتدي؟وأين تقع حدود الالتزام؟

وما طبيعة الرد؟وهل يكون الرد سياسيًا أم عسكريًا؟وهل ترسل الدولة قواتها؟وهل تستخدم طائراتها؟وهل تدخل الحرب مباشرة؟

هذه الأسئلة لا تظهر يوم توقيع الاتفاق،إنما تظهر في اليوم الذي تسقط فيه الصواريخ، وهنا تحديدًا تبدو مصر أكثر حذرًا.

فالقاهرة لا تريد أن تجد نفسها في المستقبل مضطرة إلى خوض حرب لأنها وقعت قبل سنوات على التزام دفاعي لم تكن تعرف يوم توقيعه أين ستنتهي حدوده.

باب المندب.. الاختبار الحقيقي

الأمر يصبح أكثر وضوحًا إذا انتقلنا إلى باب المندب، فالقاهرة تعرف أن أمن باب المندب مرتبط مباشرة بأمن قناة السويس.

لكنها في الوقت نفسه تعرف أن معالجة أزمة البحر الأحمر لا يمكن أن تكون عسكرية فقط.

الحوثيون ليسوا مجرد مجموعة مسلحة يمكن إسكاتها بضربة جوية،

إنهم طرف يمني يمتلك القدرة على التأثير في الملاحة الدولية، وأي حرب مفتوحة معهم يمكن أن تتحول إلى أزمة طويلة تستنزف المنطقة.

 

ولهذا تبدو الرؤية المصرية مختلفة عن فكرة «الحرب حتى النهاية»

القاهرة تميل إلى الحفاظ على الملاحة، واحتواء التصعيد، وفتح المجال أمام الحل السياسي، مع الاحتفاظ بحقها في حماية مصالحها وأمنها القومي.

وهذا يفسر أيضًا حساسية القاهرة تجاه أي ترتيبات عسكرية في البحر الأحمر لا تكون الدول المشاطئة هي صاحبة القرار الأساسي فيها.

السعودية تبحث عن الردع.. ولكن بأي ثمن؟

يمكن تفهم الدافع السعودي، كون

المنطقة تتغير،والولايات المتحدة لم تعد تبدو مستعدة لتقديم الضمانات الأمنية نفسها التي قدمتها لعقود،

والحرب الإسرائيلية-الإيرانية أعادت طرح سؤال قديم:

من يحمي دول المنطقة إذا قررت واشنطن تقليص مظلتها الأمنية؟

السعودية لا تريد أن تنتظر الإجابة.

لذلك بدأت الرياض في بناء شبكة أمنية متعددة الأطراف.

بدأت بباكستان، ثم جاء التعاون مع تركيا، وفي الوقت نفسه ظهرت اتصالات أوسع ضمت مصر وتركيا وباكستان والسعودية.

وقد أشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى ظهور مسار رباعي بين الدول الأربع، لكنه رأى أن تحوله إلى حلف دفاعي رسمي كان أقل احتمالًا، وأنه أقرب إلى إطار للتنسيق وإدارة المخاطر الأمنية المشتركة،

لكن السعودية انتقلت الآن خطوة أبعد.

ويأتي اتفاق مكة،ليصبح السؤال:

هل نجحت الرياض في بناء قوة ردع جديدة؟ أم أنها بدأت توزيع أمنها على عدة عواصم؟

لكن ..لماذا دخل أردوغان؟

أما دخول تركيا، فهو أكثر الملفات إثارة ، أنقرة ليست دولة صغيرة تبحث عن حماية ،وهي عضو في الناتو، وتمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في المنطقة، ولديها صناعة دفاعية متقدمة، وقواعد ومصالح واسعة في الشرق الأوسط..فلماذا تحتاج إلى اتفاق دفاعي مع السعودية وباكستان؟

الإجابة ليست في المال وحده ،

وانما تركيا تريد أن تكون لاعبًا أساسيًا في تشكيل النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط.

وإذا كانت الولايات المتحدة تقلل من اعتمادها على المنطقة، وإذا كانت إسرائيل تحاول توسيع نفوذها، وإذا كانت إيران ما زالت لاعبًا رئيسيًا، فإن أنقرة لا تريد أن تترك السعودية وباكستان وحدهما لتشكيل الترتيب الجديد.

تركيا تريد أن تكون داخل الغرفة عندما يجري رسم خريطة الأمن الإقليمي الجديدة..وهذه نقطة مهمة،

لكن الدخول له ثمن.

فا لاتفاق الذي يمنح تركيا فرصة للنفوذ يمنحها أيضًا التزامًا محتملًا بالدفاع عن السعودية، وهنا يأتي الاختبار الحقيقي لاحقًا.

أما باكستان، فقصتها مختلفة،لها حسابات أخري فهي مرتبطة بالسعودية أصلًا باتفاق دفاع استراتيجي مشترك منذ سبتمبر 2025، ينص كذلك على اعتبار الاعتداء على إحدى الدولتين اعتداءً على الأخرى.

إذن اتفاق مكة بالنسبة لإسلام آباد ليس قفزة كاملة إلى المجهول، وإنما توسيع لترتيب قائم..لكن باكستان لديها حساباتها الخاصة.

كون إيران دولة جارة لها،والهند خصمها التقليدي،والاقتصاد الباكستاني يحتاج إلى السعودية،

وفي الوقت نفسه تريد إسلام آباد الحفاظ على مساحة للمناورة مع القوى الكبرى والإقليمية.

لذلك فإن السؤال ليس هل تستطيع باكستان الدخول في تحالف دفاعي.

بل:هل تستطيع باكستان تنفيذ كل التزامات هذا التحالف إذا اندلعت حرب إقليمية واسعة؟

وهذا سؤال مختلف تمامًا.

أما مصر.. فتختار طريقًا آخر وهو جوهر المسألة،كونها لا تبدو راغبة في بناء أمنها القومي على فكرة «إذا هوجمت دولة حليفة، وجب أن تدخل مصر الحرب».

مصر تريد أن تحتفظ بقرار الحرب،

وهذا جزء أصيل من عقيدتها الاستراتيجية،والدليل أن التعاون العسكري المصري لا يتوقف.

مصر وتركيا وقعتا في فبراير الماضي مذكرات تفاهم شملت التعاون الدفاعي، ثم أجرت الدولتان تدريبات جوية مشتركة في يونيو..إذن المشكلة ليست في التعاون مع تركيا،

وليست في التعاون مع السعودية،

وليست في التعاون مع باكستان،

المشكلة في الالتزام الجماعي بالحرب.

وهذه نقطة يجب ألا نغفلها ، هي لا تريد أن تحارب إيران نيابة عن أحد

إذا كان أحد أهداف التحالف الجديد هو مواجهة النفوذ الإيراني أو احتواء الحوثيين، فإن القاهرة لديها حساب مختلف، كما أنها ليست دولة خليجية،

وليس لديها حدود برية مع إيران،

وليست طرفًا في الصراع الإيراني-الخليجي.

ولذلك فإن تحويل الخلاف الخليجي-الإيراني إلى حرب مصرية-إيرانية سيكون من وجهة النظر المصرية خطأ استراتيجيًا بالغ الخطورة.

القاهرة تريد علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وتريد أن تظل قادرة على التحدث مع الجميع، وهذا ليس ضعفًا.

بل قد يكون في حد ذاته أداة قوة،

والسؤال الأصعب: ماذا لو كانت الحرب مع إسرائيل؟

هنا يصبح اتفاق مكة أكثر تعقيدًا،

فإذا تعرضت السعودية لهجوم إسرائيلي، هل تدخل تركيا وباكستان الحرب؟

وإذا تعرضت تركيا لضربة إسرائيلية، هل تدخل السعودية وباكستان؟ وإذا اندلعت حرب بين إسرائيل وإيران، ثم امتدت إلى الخليج، هل يتحول الاتفاق إلى حرب إقليمية شاملة؟

هذه ليست أسئلة نظرية..فالشرق الأوسط يعيش بالفعل مرحلة إعادة ترتيب عسكري وأمني غير مسبوقة،

والاتفاق الجديد جاء في لحظة تتراجع فيها الثقة بالمظلة الأمريكية التقليدية، بينما تتصاعد المخاوف من الهجمات الإيرانية ومن أذرعها الإقليمية، وفي مقدمتها الحوثيون.

وهنا قد يكون اتفاق مكة محاولة سعودية لبناء مظلة ردع إقليمية بديلة..لكن المظلة قد تحمي، وقد تجر صاحبها أيضًا إلى الحرب .

 

هل أخطأت السعودية؟

لا يمكن إصدار حكم نهائي الآن،لكن هناك سؤالًا مشروعًا:هل الحل العسكري هو الطريق الوحيد لأمن السعودية؟

في ملف اليمن تحديدًا، قد يكون المسار السياسي أكثر استدامة من بناء تحالف عسكري جديد،فإذا أمكن الوصول إلى تفاهم سعودي-حوثي يضمن أمن الحدود، ووقف الهجمات على السعودية والملاحة، وتسوية الملفات الاقتصادية والسياسية اليمنية، فقد يكون ذلك أكثر فائدة للرياض من تحويل الحوثيين إلى جبهة مفتوحة في البحر الأحمر،

فالردع العسكري قد يوقف الهجوم،

لكن التسوية السياسية هي التي تنهي الحرب.

إسرائيل.. المستفيد الصامت؟

وهنا يجب طرح السؤال لا إطلاق الاتهام:هل تؤدي كثرة المحاور العسكرية في المنطقة إلى إضعاف إسرائيل؟أم أنها قد تفعل العكس؟

إذا انشغلت السعودية باليمن، وتركيا بحساباتها الإقليمية، وباكستان بصراعات جنوب آسيا، وإيران بجبهاتها، والدول العربية بخلافاتها، فقد تجد إسرائيل مساحة أكبر للمناورة.

ولهذا فإن الخطر ليس فقط في أن تنتصر إسرائيل ،وإنما أن ينشغل خصوم إسرائيل ببعضهم البعض،

وهذه هي المعادلة التي يجب أن تنتبه إليها المنطقة.

لماذا تبدو «لا» المصرية منطقية؟

لأن مصر لا تحتاج إلى أن تكون داخل كل تحالف حتى تكون دولة مؤثرة،

مصر تملك موقعًا جغرافيًا لا يمكن تجاوزه،وتملك قناة السويس،وتملك الجيش الأكبر عربيًا من حيث الحجم والقدرات التقليدية.

وتملك حدودًا مباشرة مع أخطر بؤر الصراع في المنطقة،وتملك علاقات مع السعودية وتركيا وباكستان وإيران والولايات المتحدة وروسيا وأوروبا.

وبالتالي فإن تحويل هذه الدولة إلى طرف في حلف عسكري واحد قد يقلل من هامش الحركة الذي تحتاجه القاهرة في إدارة أزمات المنطقة،

مصر تريد أن تكون دولة تملك قرارها.. لا دولة تنتظر قرار الحلف.

وهنا تحديدًا يمكن فهم الموقف المصري.

فالقاهرة قد تتعاون عسكريًا مع الرياض،وقد تتعاون مع أنقرة،وقد تتعاون مع إسلام آباد،وقد تشارك في حماية الملاحة،وقد تتحرك عسكريًا إذا تعرض أمنها القومي للخطر، لكنها لا تريد أن تقول مسبقًا:

إذا دخلتم الحرب.. سندخل معكم.

لأن مصر تعرف أن المنطقة لا تحتاج الآن إلى مزيد من الحروب، بل تحتاج إلى إعادة بناء معادلة أمن إقليمي لا تجعل كل أزمة شرارة لحرب جديدة،

وهذه، في تقديري، هي الرسالة المصرية الأهم من عدم دخول القاهرة في «اتفاق مكة».. ما يعني أن مصر لا ترفض الدفاع عن المنطقة.. لكنها ترفض أن يصبح الدفاع عن المنطقة مرادفًا للحرب الدائمة.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

طلال أبو غزالة: تعلم حتى أراك 

70 عامًا على الواقعة.. لماذا لا تزال قضية البابا يوساب تُدرس؟

سلسلة رسائل من القلب إلى القلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2