حوار: ادهم فتحي
في المشهد الثقافي العربي، تبرز أسماء استطاعت أن تجمع بين الإبداع الأدبي، والعمل الإعلامي، والرسالة الثقافية، لتصنع حضورًا مؤثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان، ومن بين هذه الأسماء تأتي الإعلامية والأديبة الدكتورة هويدا عطا، التي كرست سنوات طويلة من حياتها لخدمة الثقافة العربية، وأسهمت في بناء جسور للحوار بين المبدعين، واحتضان المواهب، والدفاع عن قيمة الكلمة بوصفها أداة لبناء الإنسان والمجتمع.
امتلكت الدكتورة هويدا عطا رؤية ثقافية تستند إلى الإيمان بأن الثقافة ليست نشاطًا نخبوياً، بل مسؤولية مجتمعية ورسالة حضارية قادرة على ترسيخ قيم الوعي والانتماء والتسامح، وقد انعكس هذا الإيمان في تجربتها الإعلامية والثقافية، وفي نشاطها المتواصل داخل مصر وخارجها، خاصة خلال فترة عملها في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أتاحت لها التجربة الاحتكاك بثقافات متعددة، والإيمان بأن الحوار الثقافي هو الطريق الأقصر لتعزيز التقارب بين الشعوب، والحفاظ في الوقت ذاته على الهوية العربية.
ومن خلال رئاستها لمجلس إدارة مؤسسة هويدا عطا للثقافة والفنون، استطاعت أن تجعل المؤسسة واحدة من المنصات الثقافية الفاعلة التي تحتفي بالمبدعين، وتنظم الندوات والملتقيات الفكرية، وتناقش الإصدارات الأدبية، وتفتح أبوابها أمام الأجيال الجديدة من الكتاب والشعراء، إيمانًا منها بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان المبدع، وأن بناء الوعي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمثقفين.
وتتميز رؤية الدكتورة هويدا عطا بالجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ فهي تؤمن بأهمية الحفاظ على التراث الثقافي العربي، وفي الوقت نفسه تدعو إلى الاستفادة من التحولات الرقمية والتقنيات الحديثة في نشر المعرفة والوصول إلى أجيال جديدة من القراء والمتابعين، دون التفريط في جودة المحتوى أو قيمته الفكرية.
وفي هذا الحوار، نتوقف معها أمام عدد من القضايا الثقافية والفكرية المهمة، بداية من تجربتها الثقافية والدبلوماسية، مرورًا بدور المؤسسات الثقافية في دعم المبدعين، ومكانة المرأة في المشهد الثقافي العربي، ووصولًا إلى مستقبل الثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي، ورؤيتها لمواجهة التطرف بالفكر، وأهمية توثيق سير رموز الأدب والفن، فضلًا عن طموحاتها المستقبلية ورسالتها إلى الشباب العربي.
حوار يكشف ملامح رؤية ثقافية تؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على صناعة الوعي، وأن الثقافة تظل الحصن الأقوى في مواجهة الجهل والتعصب، وأن الإبداع الحقيقي سيظل دائمًا قادرًا على التجدد مهما تغيرت الوسائل وتبدلت الأزمنة.

• بداية، كيف انعكست تجربتكم الثقافية والدبلوماسية خلال فترة عملكم في دولة الإمارات على رؤيتكم للعمل الثقافي العربي؟
: كانت تجربتي في دولة الإمارات محطة مهمة أثرت رؤيتي الثقافية والإنسانية، إذ لمست عن قرب كيف يمكن للثقافة أن تكون جسرًا للتواصل بين الشعوب. العمل في بيئة تحتضن عشرات الجنسيات والثقافات عزز لدي الإيمان بأن الثقافة العربية تمتلك القدرة على الحوار والانفتاح مع العالم، وأن الاستثمار في الإنسان والمبدع هو الطريق الحقيقي لبناء مستقبل أكثر وعيًا وتسامحًا.
• تقوم مؤسسة هويدا عطا بدور ملحوظ في تنظيم الندوات الثقافية ومناقشة الكتب، فما الأهداف الأساسية التي تسعون إلى تحقيقها من خلال هذه الأنشطة؟
: نسعى إلى ترسيخ ثقافة الحوار، وتشجيع القراءة، ومنح المبدعين منصة حقيقية لعرض أعمالهم ومناقشتها بموضوعية. كما نحرص على اكتشاف المواهب الجديدة، وربط الأجيال المختلفة، وتحويل الثقافة إلى ممارسة مجتمعية يومية تسهم في بناء الوعي والانتماء.
• كيف ترون أهمية مناقشة أعمال الأدباء والشعراء في الوقت الراهن، وما أثر هذه اللقاءات في دعم الحركة الثقافية العربية؟
: مناقشة الأعمال الأدبية ليست مجرد احتفاء بالمؤلف، بل هي عملية نقدية ومعرفية تثري النص والقارئ معًا. هذه اللقاءات تخلق حالة من التفاعل الفكري، وتشجع على القراءة، وتدفع الكاتب إلى مزيد من التطور، كما تسهم في تنشيط الحركة الثقافية وإبراز الأصوات المتميزة.
• ما تقييمكم لمكانة المرأة المصرية والعربية في المشهد الثقافي المعاصر؟ وهل حصلت على ما تستحقه من حضور وتأثير؟
: حققت المرأة العربية إنجازات كبيرة، وأثبتت حضورها في مختلف مجالات الإبداع، لكنها ما زالت بحاجة إلى فرص أكثر عدالة وإلى دعم مؤسسي يبرز منجزها الثقافي بعيدًا عن أي أحكام مسبقة. أؤمن بأن الإبداع لا يعرف تمييزًا بين رجل وامرأة، وإنما يقاس بقيمة الفكر وجودة العمل.
• برأيكم، ما أبرز التحديات التي تواجه الكاتبة والمثقفة العربية اليوم في ظل التحولات الرقمية والإعلامية المتسارعة؟
: من أبرز التحديات سرعة تداول المعلومات، وتراجع القراءة المتعمقة، وسيطرة المحتوى السريع على حساب المحتوى الجاد. لذلك أصبحت الكاتبة مطالبة بالحفاظ على جودة إنتاجها، مع الاستفادة من الوسائط الرقمية للوصول إلى جمهور أوسع دون التفريط في القيمة الفكرية.
• كيف تنظرون إلى واقع الثقافة العربية حاليًا؟ وما القضايا الثقافية الأكثر إلحاحًا التي تحتاج إلى اهتمام المؤسسات والمثقفين؟
: الثقافة العربية تمتلك طاقات إبداعية كبيرة، لكنها تحتاج إلى مزيد من التنسيق والتكامل بين المؤسسات الثقافية. ومن أهم القضايا التي تستحق الاهتمام: تنمية عادة القراءة، وحماية الهوية الثقافية، ودعم الترجمة، ورعاية المبدعين الشباب، والاستفادة من التكنولوجيا لخدمة الثقافة.
• ما مكانة المثقف والشاعر في المجتمع العربي اليوم؟ وهل ما زال لهما التأثير نفسه في تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي؟
: لا يزال المثقف والشاعر يمثلان ضمير المجتمع، لكن أدوات التأثير تغيرت. فاليوم أصبح على المثقف أن يكون أكثر حضورًا وتفاعلًا مع جمهوره، وأن يقدم خطابًا يلامس قضايا الإنسان بلغة تجمع بين العمق والبساطة.
• في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، هل تعتقدون أن دور المثقف التقليدي تراجع أم أنه اكتسب أدوات جديدة للوصول إلى الجمهور؟
: أرى أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت المثقف فرصة جديدة للوصول إلى الجمهور بشكل مباشر. المشكلة ليست في الوسيلة، بل في كيفية استخدامها. فمن يحسن توظيفها يستطيع نشر المعرفة والتأثير الإيجابي في شرائح واسعة من المجتمع.
• هل لدى مؤسسة هويدا عطا مشروعات مستقبلية لإنتاج أفلام وثائقية أو أعمال فنية تتناول سير الأدباء والشعراء والفنانين المصريين والعرب للحفاظ على تراثهم وتقديمه للأجيال الجديدة؟
: نعم، لدينا رؤية لإنتاج أعمال وثائقية وثقافية توثق مسيرة رموز الفكر والأدب والفن والرحلة التاريخية في مصر والعالم العربي، لأن الحفاظ على الذاكرة الثقافية مسؤولية وطنية وقومية. ونسعى إلى تقديم هذه الأعمال بلغة عصرية تجذب الشباب وتعزز ارتباطهم برموزهم الثقافية.
• ما أبرز المشروعات الثقافية التي تعملون عليها حاليًا، وما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب المهتمين بالأدب والثقافة والإبداع في العالم العربي؟
: نعمل على توسيع أنشطة المؤسسة، وتنظيم مزيد من الندوات والمؤتمرات الثقافية، وإطلاق مبادرات لاكتشاف المواهب، ودعم المشاريع الإبداعية، إلى جانب الاهتمام بالتوثيق الثقافي. وأقول للشباب: اقرأوا كثيرًا، وامنحوا أنفسكم الوقت للتعلم، وآمنوا بأن الإبداع الحقيقي يحتاج إلى الصبر والاجتهاد والاستمرار.
• كيف يمكن للثقافة أن تسهم في مواجهة التطرف والتعصب الفكري؟
: الثقافة هي خط الدفاع الأول ضد التطرف، لأنها تنشر قيم التسامح والحوار واحترام الاختلاف. فكلما ارتفع مستوى الوعي والثقافة، تراجعت الأفكار المتشددة، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على تقبل الآخر وصناعة السلام.
• ما تقييمكم لدور المؤسسات الثقافية الرسمية والأهلية في دعم المبدعين؟ وهل يحتاج الوطن العربي إلى مشروع ثقافي عربي مشترك يعيد الاعتبار للكتاب والشعر والفنون؟
: هناك جهود تُبذل من المؤسسات الرسمية والأهلية، لكنها تحتاج إلى مزيد من التكامل والتنسيق. وأؤمن بأن الوطن العربي بحاجة إلى مشروع ثقافي عربي مشترك يعيد الاعتبار للكتاب، ويشجع القراءة، ويدعم الفنون والآداب، ويؤسس لتعاون ثقافي مستدام بين الدول العربية.
• من الشخصيات الأدبية أو الثقافية التي تتمنون توثيق سيرتها في أعمال سينمائية أو وثائقية؟
: أتمنى توثيق سير عدد كبير من رموز الأدب والثقافة الذين أثروا الحياة الفكرية العربية، مع الاهتمام أيضًا بالمبدعين الذين لم ينالوا ما يستحقونه من الضوء، لأن التاريخ الثقافي لا يُبنى بالأسماء الشهيرة فقط، بل بكل من قدم إسهامًا حقيقيًا في خدمة الفكر والإبداع. ومن الأسماء الراحل الأديب الكبير بهاء طاهر، وراهب القصة العربية سعيد الكفراوي، اللذان كانت تربطني بهما صداقة طيبة.
• كيف ترون مستقبل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإبداع الأدبي والثقافي؟
: أرى أن الذكاء الاصطناعي سيكون شريكًا مساعدًا للمبدع، وليس بديلًا عنه. فهو يوفر أدوات مهمة في البحث والتحليل والتنظيم، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الخيال الإنساني، أو التجربة الشعورية، أو البصمة الإبداعية التي تميز الكاتب الحقيقي. المستقبل سيكون للأدباء والمثقفين الذين يجمعون بين أصالة الفكر وحسن توظيف التقنيات الحديثة لخدمة الثقافة والإنسان.


