على حافة حوض المطبخ، وبجوار طاولة خشبية متهالكة لا تجلس عليها سوى الحيرة، كانت الطفلة تتكور على نفسها بخوف، وهي تتابع بوجل حركة أمها السريعة بين الفرن والحوض، ورائحة الطعام الساخن تصعد شهية من الإناء، وفور ذلك تلتهم الوجبة بسرعة وكأنها سرقة، وقبل أن يرتد إليهما الطرف، كانت الأم تغوص بيديها في الماء والصابون لتغسل الملاعق والصحون، ساعية لمحو أثر الطبخ والحرارة كأنها تنظف مسرح جريمة قتل.
وما هي إلا دقائق حتى امتدت اليد إلى المفتاح، ودخل الأب بقميصه المشدود وهيبته الثقيلة التي جلبها معه من ساعات عمله الطويلة في إحدى الوزارات المهمة، عينان تجيلان في أركان البيت كأنما تفحصان ثكنة عسكرية، ثم يرمي بجسده على الكرسي مطالباً بطعام العشاء، فتسرع الزوجة بخطو مكسور ووجه خبا منه كل تعبير، لتضع أمامه طبقاً صامتاً فيه قطعة من الجبن الأبيض وبيضتان مسلوقتان.
فيأكل الرجل في صمت وهو يظن أنه سيد البيت الذي يسيره وفق المبلغ الشحيح الذي يتركه، بينما تنقل البنت عينيها بين الصحن العاري ووجه أمها المجهد، غير مدركة كيف يمكن لوجبة طعام دافئة في المطبخ أن تحول البيت إلى ساحة رعب، وكيف لقطعة جبن أن تكون ستارة لكل هذا الكذب المنظم.
قالت الصغيرة لأمي التي احتضنتها، أنها كانت تحسب في البداية أن الأمر لا يتعدى لعبة خفية تبتكرها مامتها لقتل الوقت في غياب الأب عن البيت، لكنها سرعان ما فطنت إلى أن الخوف الساكن داخل البيت هو العصب الذي يمسك بتلابيب حياتهن فما أن يغلق الأب الباب خلفه متوجهاً إلى ذلك المبنى الحكومي الصارم الذي يقيس البشر بالأوراق والتعليمات.
حتى تتنفس الأم الصعداء، وتسرع إلى الخزانة لتخرج كيساً كانت قد ادخرت ثمنه بشدة من مصروف البيت، ثم تشعل النار لتبدأ طبخ وجبة حقيقية تنساب منها رائحة التوابل واللحم، وتجلس مع طفلتها على الأرض لتأكلا بشهية طافحة وشغف المحرومين، وكأنهما تستردان إنسانيتهما المسلوبة من وراء ظهر الخوف، وهما تعرفان أن هذا الطعام الساخن يُعد في عرف البيت عصياناً صريحاً يجب دفن أثره قبل أن يعود المساء.
وتستكمل البنت حديثها وهي تصف السباق المحموم مع الوقت الذي يعقب شبعهما العابر، حيث تسارع الأم إلى إزالة أي دليل يقود إلى المطبخ، تغسل الأدوات بالماء البارد وهي ترتجف، وتمسح الأسطح مراراً وتكراراً، ثم تجمع النفايات في كيس مبهم وتلقي به خارج البيت فوراً كي لا تبقى رائحة تفضح السر.
هذا السلوك أورث الأم حياة مزدوجة وممزقة بين رغبتها في إطعام طفلتها ما يقيم أودها ويمنحها الدفء، وبين خشيتها من بطش زوج يرى في التضييق شطارة وفي الحرمان فرضاً للهيبة، فتلجأ في النهاية إلى عقاب صامت مغلف بالطاعة الظاهرة، تضع أمامه أقل المأكولات مجهوداً، وتتركه يقضم جبنه البارد وهو يتوهم أنه يقود البيت كما يشاء، بينما يخفي قلبها بروداً تاماً وجفاءً تجاه رجل نسى كيف يكون الحنان تحت سقف واحد.
وفي الختام، تنظر البنت إلى كفي أمها اللتين تشققتا من كثرة استخدام الماء البارد والمظفات، فتدرك أن الوجع الحقيقي لم يكن في طبق الجبن ولا في البيضتين المسلوقتين، بل في ذلك الشك الذي حول المنزل من سكن إلى قلعة باردة، وفي تلك الفجوة التي جعلت الأب يتناول عشاءه البسيط وهو يظن أنه الممسك بكل تفاصيل البيت، بينما تعيش الزوجة والطفلة حياة كاملة أخرى، تُطبخ وتُؤكل وتُمحى من أمامه دون أن يشعر بشيء، لتجد الصغيرة نفسها معلقة بين عالمين: عالم الأب الذي يعيش وهم السيطرة الكاملة، وعالم الأم الذي يشتري بقاءه بكذبة يومية، في بيت صامت تُغسل فيه الحياة كل مساء كي لا يلمح الأب أثراً للدفء.

