ليس كل جرحٍ مؤامرة

بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة

هناك أخطاء لا يرتكبها الإنسان في حق الآخرين، بل في حق نفسه، وأول هذه الأخطاء أن يظل عمرًا كاملًا يفتش عن تفسيرٍ لكل جرح، وكأن كل من آذاه جلس طويلًا يخطط لإسقاطه، بينما الحقيقة أكثر بساطة وأشد قسوة؛ فبعض الناس لا يحتاجون إلى سبب كي يؤذوا، لأن الأذى عندهم ليس قرارًا، بل طبيعة، وليس ردَّ فعل، بل أسلوب حياة.

أخبار متعلقة

ذنبك الوحيد أنك قلت «لا»

ترامب.. من طفولة كوينز إلى منصة الرئاسة

حرب التجويع 

لماذا نحب مصر… ولماذا نخاف عليها؟

كم من إنسان أرهق قلبه وهو يراجع كلماته، ويعيد قراءة مواقفه، ويحاسب نفسه على ذنب لم يرتكبه، فقط لأنه لم يستطع أن يصدق أن هناك نفوسًا تجرح كما تتنفس، وتكسر الخواطر كما يذيب الملح الجليد، دون أن تشعر بوخز ضمير أو لحظة ندم.

إن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يفسر كل قسوة بمنطق الطيبين. يظن أن وراء كل إساءة ألمًا يستحق الشفقة، وأن خلف كل خيانة عذرًا خفيًا، وأن كل قلب يحمل بذرة خير تنتظر من يسقيها. لكنه يكتشف متأخرًا أن بعض الأراضي لا تُنبت إلا الأشواك، مهما أغدقت عليها المطر.

ليست كل النفوس سواء، فهناك من إذا اقتربت منه ازددت اتساعًا وطمأنينة، وهناك من يكفي حضوره ليملأ روحك بالضجيج والقلق. الأول يمنحك السلام لأنه يملكه، والثاني يوزع الفوضى لأنه يعيشها. فالإنسان لا يخرج للناس إلا ما امتلأ به قلبه؛ فمن امتلأ نورًا أضاء، ومن امتلأ دخانًا خنق من حوله.

ولهذا، فإن محاولة إصلاح أصحاب الطباع السامة تشبه محاولة إقناع البحر أن يتوقف عن موجه، أو إقناع النار أن تصبح باردة، ليست المشكلة في كلماتك، ولا في نواياك، بل في طبيعة لا ترى في اللين إلا ضعفًا، ولا في الوفاء إلا فرصة للاستغلال، ولا في الصفح إلا بابًا لمزيد من التجاوز.

وهنا يولد الوعي الحقيقي؛ أن تتوقف عن سؤال: لماذا فعل بي هذا؟ وتبدأ بسؤال أكثر حكمة: لماذا سمحت له أن يبقى في المساحة التي يستطيع منها إيذائي؟ فالفرق بين الحكيم والبسيط ليس أن الأول لم يتعرض للأذى، بل أنه تعلم ألا يمنح المفاتيح نفسها لمن أثبت أنه لا يحسن إلا كسر الأبواب.

إن الحياة لا تعدنا بأشخاص كاملين، لكنها تمنحنا القدرة على الاختيار. والاختيار ليس رفاهية، بل مسؤولية. فمن لا يحسن اختيار من يرافقه، سيقضي عمره يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، وإنما ارتكبها حين تجاهل الإشارات الأولى، وصدق الأقنعة أكثر مما صدق الأفعال.

ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع الأيام أن الرحيل ليس دائمًا خسارة، بل قد يكون أعظم أشكال النجاة. فهناك علاقات لا تنقصها المحاولات، بل تنقصها القابلية للحياة، وهناك قلوب مهما سكبت فيها من صدق، أعادت إليك ما فيها من قسوة.

لا تُرهق نفسك بمحاولة تغيير من يرى الأذى قوة، ولا تستنزف روحك في انتظار اعتذار من لا يشعر أنه أخطأ أصلًا. فبعض البشر لا يراجعون أنفسهم، لأنهم اعتادوا أن يروا الخطأ في وجوه الآخرين، لا في مراياهم.

كن كريمًا في أخلاقك، لكن بخيلًا في منح ثقتك. سامح إن شئت، لكن لا تُلغِ ذاكرتك. وافتح قلبك للحياة، لكن لا تترك أبوابه بلا حارس. فالطيبة فضيلة، أما الغفلة فثمنها باهظ، والقلب النقي لا يعني القلب الساذج.

وفي النهاية، ليست الحكمة أن تقضي حياتك تلعن الأشواك، وإنما أن تعرف أين تزرع خطواتك. وليست البطولة أن تُقنع العقرب ألا يلدغ، بل أن تدرك أن يدك خُلقت لتصافح الأوفياء، لا لتختبر سمَّ من اعتاد اللدغ.

فاحفظ قلبك كما تحفظ أثمن ما تملك، لأن بعض الخسائر لا تبدأ بطعنة، بل بثقة وُضعت في المكان الخطأ.

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

ذنبك الوحيد أنك قلت «لا»

ترامب.. من طفولة كوينز إلى منصة الرئاسة

حرب التجويع 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2