ضريبة الاحتفاظ بالجنسية المصرية!

أيمن المصري

بقلم: أيمن المصري

قرارات الدولة المصرية تجاه المغتربين أصبحت أحيانًا في حاجة إلى لجنة فلسفة تبحث في معنى كلمة «مواطن».

أخبار متعلقة

من قمة تونس إلى مشروع عربي للذكاء الاصطناعي كيف نحوّل الزخم إلى أثر

بريكس والولايات المتحدة: القوة والردع والتوازنات من الاحتكار إلى التوزيع في نظام دولي انتقالي

السيد خلاف يكتب: قمة مصرية سعودية فوق خريطة النار.. وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

ابن سلمان في القاهرة

فالمصري المقيم في مصر يبدو أنه مواطن كامل الدسم، أما المصري المغترب فقد يكون مواطنًا «نصف دسم» أو ربما منزوعة الدسم!

نحن لا نعرف التصنيف الرسمي حتى الآن، لكن الفواتير والرسوم تعطينا أحيانًا انطباعًا بأن هناك مواطنًا من الدرجة الأولى، ومواطنًا من الدرجة الثانية، ومغتربًا من درجة ثالثة.

والمغترب المصري، يا سادة، لم يخرج من بلده بحثًا عن وطن بديل.

خرج بحثًا عن فرصة عمل لم يجدها، وعن لقمة عيش دفعته الظروف إلى البحث عنها خارج الحدود.

حمل حقيبته، وترك أهله وأصدقاءه وذكرياته، وذهب إلى الغربة ليعمل ويتعب ويرسل ما يستطيع إلى أسرته في مصر.

ثم اكتشف أن الدولة، بدل أن تقول له: «ربنا يعينك على الغربة»، قررت أن تقول له: «بما أنك مغترب… ادفع»!

تريد أن ترسل هاتفًا لابنك أو ابنتك أو قريب لك هدية؟

انتظر قليلًا… فهناك منظومة من الرسوم والضرائب والإجراءات.

وكأن المغترب عندما يريد أن يُسعد ابنه قد ارتكب مخالفة اسمها: «إدخال السعادة إلى البلاد دون ترخيص»!

أما حكاية جواز السفر، فهي تحتاج وحدها إلى فصل في كتاب «اقتصاديات الغربة».

فجواز السفر المستعجل الذي يتم استلامه في اليوم نفسه في مصر تبلغ رسومه، وفق الرقم المتداول الذي نتحدث عنه، نحو 1500 جنيه مصري.

أما المغترب في الخارج، فإذا أراد استخراج جوازه من السفارة، فقد يجد نفسه أمام رسوم تصل إلى 300 دولار، وقد تبلغ في بعض الحالات 400 دولار.

أي ما يعادل تقريبًا 15 ألفًا إلى 20 ألف جنيه مصري بحسب سعر الصرف!

بمعنى آخر: المواطن الموجود في مصر يدفع 1500 جنيه، والمغترب قد يدفع ما يعادل عشرة أضعاف ذلك أو أكثر.

وهنا نسأل بكل براءة:

هل جواز سفر المغترب مصنوع من الذهب؟

هل الورقة التي تخرج من السفارة مطبوعة على جلد نادر؟

هل الحبر المستخدم في بيروت مثلًا مستورد من كوكب آخر؟

أم أن كلمة «جمهورية مصر العربية» تصبح أغلى كلما ابتعدنا عن القاهرة؟

والأمر لا يتوقف عند جواز السفر.

تريد أن تعمل توكيلًا؟

50 دولارًا، أي نحو 2500 جنيه مصري.

تريد استخراج بطاقة شخصية؟

65 دولارًا.

تريد شهادة ميلاد؟

ادفع.

تريد توثيق شهادة؟

ادفع.

تريد تصديق ورقة؟

ادفع.

حتى يشعر المغترب في النهاية أن كل ورقة في حقيبته تحمل نصيبًا من راتبه!

وكأن هناك من قرر أن تكون السفارة المصرية في الخارج: نصفها «وطن»، ونصفها الآخر «شباك تحصيل»!

ولا ننسى قصة الهواتف المحمولة.

المغترب الذي يعمل طوال العام، ويتعب، ويدفع من ماله، ثم يريد أن يشتري هاتفًا لابنه أو ابنته أو أخيه أو قريب له، لا يستطيع أن يقدم الهدية ببساطة.

فلا بد أن يمر الهاتف أولًا على رحلة طويلة من الرسوم والضرائب والإجراءات.

وهنا يشعر المغترب أن الدولة تقول له:

«نحن لا نمانع أن تُسعد أهلك… ولكن لا تنسَ أن لنا نسبة في السعادة»!

وكأن الدولة أصبحت شريكًا في كل هدية يحملها المغترب إلى أهله!

يشتري الهاتف من ماله، والدولة تريد نصيبها.

يستخرج جوازه من وطنه، يدفع.

يعمل توكيلًا، يدفع.

يستخرج بطاقة، يدفع.

يوثق شهادة، يدفع.

ثم يعود إلى مصر لقضاء أيام قليلة مع أسرته، فنخشى أن تخرج علينا فاتورة جديدة تقول:

«بدل التمتع بالإجازة في الأراضي المصرية»!

وإذا جلس على النيل، ربما نكتشف أن عليه دفع «رسم استخدام المياه المصرية».

وإذا استمتع بشمس بلاده، قد يظهر مستقبلًا «بدل التمتع بالشمس المصرية».

وإذا تحدث باللهجة المصرية، فربما تصدر لائحة بعنوان:

«رسوم استخدام اللهجة المصرية داخل الحدود»!

أما إذا عانق أمه بعد سنوات الغربة، فنرجو ألا تفاجئه الدولة برسوم «الحنين إلى الوطن»!

نحن نسخر، نعم.

لكن وراء السخرية وجع حقيقي.

فالغربة ليست نزهة.

والاغتراب ليس فندقًا خمس نجوم.

المغترب يدفع ثمن غربته من عمره، ومن أعصابه، ومن سنواته التي كان يمكن أن يعيشها بجوار أهله.

هو الذي يستيقظ صباحًا في بلد غريب، ويعمل، ويتعب، ثم يعود إلى غرفة قد لا يجد فيها أمه ولا أباه ولا إخوته ولا أصدقاء طفولته.

هو الذي يمرض بعيدًا عن أهله.

ويفرح بعيدًا عنهم.

ويحزن بعيدًا عنهم.

ويكبر أبناؤه أحيانًا أمام شاشة الهاتف بدلًا من أن يكبروا أمام عينيه.

وكل ذلك من أجل أن يوفر لهم حياة أفضل.

فهل جزاء المغترب أن يشعر عندما يتعامل مع وطنه بأنه مواطن من الدرجة الثالثة؟

أليس هو مصريًا مثل الذي يعيش في القاهرة؟

أليس جوازه مصريًا؟

أليست بطاقته مصرية؟

أليس أبوه وأمه وأبناؤه وأسرته مصريين؟

أليس المال الذي يرسله إلى مصر مالًا مصريًا عندما تحتاجه الدولة؟

فلماذا لا يكون المواطن المصري نفسه مواطنًا كامل الحقوق عندما يحتاج إلى خدمة من دولته؟

إذا كان المغترب ثروة وطنية عندما يحول الأموال ويدعم أسرته واقتصاد بلده، فلماذا يتحول فجأة إلى «جيب مفتوح» عندما يحتاج إلى خدمة قنصلية؟

نحن لا نطالب بإلغاء الرسوم.

ولا نطالب بأن تكون خدمات الدولة بلا مقابل.

لكننا نطالب بشيء بسيط جدًا اسمه:

المساواة بين المصريين.

أن تكون الرسوم منطقية وعادلة، وألا يشعر المصري في الخارج أن مجرد كونه مغتربًا يجعله يدفع أضعاف ما يدفعه المواطن داخل مصر.

فالمغترب لم يختر الغربة لأن مصر لا تعنيه.

بل اختار الغربة لأن الحياة أجبرته عليها.

خرج من وطنه بجسده، لكنه ترك قلبه فيه.

وظل يعمل في الخارج من أجل وطنه وأسرته، حتى لو لم يكن ذلك ظاهرًا في البيانات الرسمية.

ولهذا نخشى، إذا استمر هذا المنطق، أن نستيقظ ذات صباح على قرار تاريخي بعنوان:

«ضريبة الاحتفاظ بالجنسية المصرية»!

ثم يأتي بعده قرار آخر:

«ضريبة الانتساب إلى مصر»!

ثم قرار ثالث:

«ضريبة الانتساب إلى عائلة مصرية»!

وعندما يصل المغترب إلى المطار عائدًا إلى وطنه، قد يسمع:

«أهلًا بك في مصر… تفضل بدفع بدل التمتع بالشمس المصرية والإقامة المؤقتة على الأراضي المصرية»!

وعندما يغادر مصر عائدًا إلى عمله، قد يسمع:

«نتمنى لك رحلة سعيدة… ولا تنسَ تجديد اشتراك الجنسية قبل المغادرة»!

والقادم مجهول، لكنه في ظل هذه الفلسفة لا يبدو مبشرًا كثيرًا!

نحن نريد أن يشعر المغترب أن السفارة بيت المصريين في الخارج، لا مكانًا يخرج منه المواطن وهو يسأل نفسه: كم بقي من راتبي؟

نريد أن يسمع كلمة «وطنك» قبل كلمة «رسوم».

وكلمة «أهلًا بك» قبل كلمة «ادفع».

فالمغترب ليس ماكينة صراف آلي ترتدي جواز سفر مصريًا.

وليس مواطنًا موسميًا يظهر عندما تحتاج الدولة إلى تحويلاته.

إنه مصري طوال العام، وفي الغربة، وفي الوطن، وفي الفقر، وفي الغنى، وفي النجاح، وفي الحاجة.

فلا تجعلوا ثمن الغربة مرتين:

مرة يدفعه المغترب من عمره وأعصابه وأيامه بعيدًا عن أهله،

ومرة يدفعه من جيبه عندما يحتاج إلى وطنه.

فهل المغترب المصري ما زال مصريًا كامل الحقوق… أم أن له مسمى آخر لم نعرفه بعد؟

ربما يكون اسمه في المستقبل:

«مواطن مصري… بشرط السداد»!

اعلان داخل الخبر بعد الوسوم
أخبار ذات صلة

من قمة تونس إلى مشروع عربي للذكاء الاصطناعي كيف نحوّل الزخم إلى أثر

بريكس والولايات المتحدة: القوة والردع والتوازنات من الاحتكار إلى التوزيع في نظام دولي انتقالي

السيد خلاف يكتب: قمة مصرية سعودية فوق خريطة النار.. وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات وآراء
مقال رئيس التحرير
اعلان الويدجت 1
آخر الأخبار
الأكثر قراءة
اعلان الويدجت 2