رضا طاهر الفقي
ثلاث كلمات كفيلة بفتح أبواب مغلقة وتغيير نبرة صوت من أمامك، ولذلك نسمع كل فترة عن شخص قبضوا عليه وهو ينتحل صفة أصحاب السلط من هذه الصفات، لكننا نتوقف عند الخبر ونضحك أو نستنكر وننسى، القليل من يسأل: ماذا يوجد خلف القناع.
انتحال صفة صاحب السلطة ليس جريمة نصب تقليدية. هو محاولة يائسة لسد فراغ، فراغ اسمه “أنا لا أُرى” فبدلاً من أن يبني الإنسان قيمته من الداخل، يختار أن يستعيرها منصب جاهز عليه هالة من الخوف والاحترام، فما هي الدوافع النفسية التي تدفع إنساناً لارتداء هذا القناع الخطير.
السلطة في وعينا الجمعي تحولت من وظيفة إلى مخدر، تعطي صاحبها ثلاثة أشياء لا يستطيع الحصول عليها بسهولة في مكان آخر أولها قيمة فورية، لا تحتاج شهادات ولا سنوات خبرة يكفي اللقب لكي تصبح مهماً، ثانيها إحساس بالتحكم، في عالم نشعر فيه أننا لا نملك قرارنا، تأتي السلطة لتوهمنا أننا نحن من يضع القواعد وثالثها تعويض عن الماضي، كثير ممن ينجذبون للسلطة كانوا في يوم ما بلا صوت، تعرضوا للظلم أو التهميش، وعندما كبروا قرروا أن يصبحوا هم الصوت الذي لا يُرد له أمر، من هذا المنطلق نفهم الثلاثة نماذج الأشهر للانتحال.
منتحل صفة القاضي.. إدمان الحكم
هذا الشخص لا يبحث عن مال هو يبحث عن اللحظة التي يقول فيها “حكمت المحكمة”، في داخله صورة عن نفسه أنه الميزان أنه الحق غالباً نشأ في بيئة فوضوية أو تعرض لظلم فأصيب بهوس بالنظام، لديه نزعة نرجسية تجعله يحب أن يقف في المنتصف وأن يصدر الأحكام وأن يخافه الناس يبدأ بالتمثيل، لكن مع تصفيق الناس وخوفهم يبدأ هو في تصديق الدور يتحول من كاذب إلى مؤمن بأنه فعلاً مصدر العدل، وخطره أنه لا يرى أحداً متساوياً معه، الكل عنده متهم حتى يثبت العكس.
منتحلة صفة الصحفية.. إدمان الظهور والمعرفة
هذه السلطة الناعمة، لا تستخدم القوة بل تستخدم السؤال. دافعها الأساسي هو أن تكون في قلب الحدث دائماً. أن تدخل كل مكان وأن يعرفها الجميع وأن تملك المعلومة قبل أي أحد. الصحافة تمنحها شرعية اجتماعية عظيمة. فالصحفي مسموح له أن يسأل وأن ينتقد وأن يكون محبوباً ومؤثراً في نفس الوقت. ما يميز هذا النموذج هو قدرته على تبرير الكذب. فهي لا ترى نفسها نصابه. هي ترى نفسها تكشف الحقيقة للصالح العام. ولذلك ضميرها مرتاح. والمجتمع يزيد الطين بلة لأنه يفتح لها الأبواب لمجرد اللقب.
منتحل صفة ضابط الشرطة.. إدمان الخوف والسيطرة
هذا هو الاختصار. أسرع طريق للهيبة في الشارع. لا يحتاج إقناع. يحتاج بدلة ونبرة صوت حادة. الدافع هنا غالباً تعويض عن ضعف قديم. شخص شعر أنه بلا حماية فقرر أن يصبح هو مصدر الحماية والخوف. يتلذذ بإحساس السيطرة اللحظية. أن يوقف أحداً وأن يفتشه وأن يأمره. هذا الإحساس يفرز في الدم إحساس قوة وإثارة فيدمنه. تفكيره أبيض وأسود. إما معي أو ضدي. وهذا ما يجعله أكثرهم وضوحاً وأكثرهم عرضة للسقوط لأنه يصطدم بالقانون وجهاً لوجه.
إذا جمعنا النماذج الثلاثة سنجد القاسم المشترك. إنه فجوة الهوية. هناك فرق مؤلم بين “أنا الحقي” وبين “أنا الذي أريد أن أكونه”. وانتحال صفة صاحب السلطة هو لصقة توضع على هذا الجرح. لصقة مؤقتة ومؤلمة لكنها تعطي إحساساً سريعاً بالقيمة.
والأخطر أننا نحن من نغذي هذا المرض. فالمجتمع الذي يحترم الكارنيه قبل الإنسان، ويخاف من البدلة قبل أن يسأل من يرتديها، هو مجتمع يصنع سوقاً سوداء للهيبة. طالما أننا نكافئ القناع أكثر من الوجه، سيظل هناك من يبيع أي شيء ليشتري قناعاً.
في النهاية، انتحال صفة القاضي والصحفي والضابط ليس انحرافاً فردياً فقط. هو مرآة. مرآة تعكس لنا كم نحن مرتبطون بالمظاهر وكم نقدس السلطة.
العقاب القانوني سيوقف الفعل، لكنه لن يعالج السبب. السبب يعالج عندما نتعلم أن نحترم الإنسان لأفعاله لا لمنصبه. عندما نكسر الارتباط بين الكرامة والكارنيه.
في اليوم الذي نتوقف فيه عن الانبهار بالقناع، في ذلك اليوم فقط، ستسقط كل الأقنعة.

