عامر عبد الرحمن
لفهم الحوثيين في اليمن، لا يكفي أن نبدأ من سبتمبر 2014، حين دخل مقاتلوهم صنعاء وأسقطوا عمليًا موازين السلطة في العاصمة، ولا من إيران التي أصبحت لاحقًا الداعم الخارجي الأهم لقدراتهم العسكرية. فالحكاية أقدم من ذلك بكثير، وجذورها تمتد إلى تاريخ الزيدية في اليمن منذ أكثر من ألف عام، ثم إلى سقوط الإمامة سنة 1962، وما أعقبه من إعادة تشكيل للدولة والمجتمع والهوية السياسية في شمال اليمن.
ومن رحم هذه التحولات ظهرت في التسعينيات حركة «الشباب المؤمن»، ثم برز حسين بدر الدين الحوثي، ودخلت الجماعة في حروب صعدة الست، قبل أن تنتقل من حركة دينية وسياسية محلية إلى قوة عسكرية سيطرت على صنعاء، ثم أصبحت طرفًا في حرب إقليمية، وأخيرًا قوة تمتلك القدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر والسعودية وإسرائيل، هذه الرحلة هي التي تفسر لماذا لم يعد السؤال اليوم متعلقًا فقط بمن يحكم اليمن، وإنما بمن يستطيع التأثير في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا.
الاسم الرسمي للحركة هو «أنصار الله»، بينما أصبح «الحوثيون» الاسم الأكثر تداولًا، نسبة إلى عائلة الحوثي التي قادت الحركة، وفي مقدمتها حسين بدر الدين الحوثي ثم شقيقه عبد الملك الحوثي. وتنتمي الجماعة تاريخيًا إلى المذهب الزيدي، وهو أحد مذاهب التشيع، لكن وضع الحوثيين في الخانة نفسها مع الإمامية الاثني عشرية في إيران والعراق ولبنان يختزل تاريخًا دينيًا وسياسيًا شديد التعقيد. فالزيدية تُنسب إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي خرج على الدولة الأموية سنة 122هـ/740م.
وتشترك مع التيارات الشيعية في مركزية أهل البيت ومكانة علي بن أبي طالب، لكنها تختلف عن الاثني عشرية في تصور الإمامة؛ فلا تؤمن بسلسلة الأئمة الاثني عشر ولا بالإمام الغائب بالمفهوم الاثني عشري، كما أن الإمام في التصور الزيدي التقليدي ليس بالضرورة من سلالة واحدة محتكرة للحكم، وإنما يمكن أن يكون من نسل الحسن أو الحسين ممن تتوافر فيه شروط معينة ويعلن دعوته. ولهذا تأثرت الزيدية تاريخيًا بمدارس سنية وعقلانية في الفقه وعلم الكلام، وإن ظلت مذهبًا شيعيًا مستقلًا.
هذه الخلفية ليست ترفًا تاريخيًا، لأنها تفسر لماذا كانت صعدة أكثر من مجرد محافظة يمنية نائية. ففي سنة 897م تقريبًا وصل الإمام يحيى بن الحسين الرسي، المعروف بـ«الهادي إلى الحق»، إلى شمال اليمن، وأسس في صعدة إمامة زيدية أصبحت نقطة انطلاق لنظام سياسي استمر بأشكال مختلفة قرونًا طويلة. وتحولت صعدة والمرتفعات الشمالية إلى قلب للوجود الزيدي في اليمن، وتتابعت الإمامات الزيدية وصولًا إلى المملكة المتوكلية اليمنية في القرن العشرين تحت حكم أسرة حميد الدين. وبذلك فإن الحوثيين لم يخلقوا البيئة الزيدية في شمال اليمن، ولم يبدأ وجودهم السياسي من طهران؛ بل خرجوا من مجتمع له ذاكرة دينية وسياسية تعود إلى القرن الثالث الهجري.
لكن هذه الذاكرة تعرضت لزلزال سياسي في 26 سبتمبر 1962، عندما أطاح انقلاب عسكري بالإمام محمد البدر حميد الدين وأعلن قيام الجمهورية العربية اليمنية. ولم تنته الإمامة بسقوط القصر في صنعاء، وإنما اندلعت حرب أهلية بين الجمهوريين والملكيين استمرت حتى 1970 تقريبًا. وقفت مصر جمال عبد الناصر بقوة خلف الجمهوريين، بينما قدمت السعودية الدعم للقوى الملكية، فتحولت اليمن إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. ومع انتهاء الحرب سقطت الإمامة باعتبارها نظام حكم، وترسخت الجمهورية بوصفها الإطار السياسي الجديد.
لكن آثار التحول لم تختفِ من المجتمع بين ليلة وضحاها؛ فقد انتهى نظام سياسي استمر قرونًا، وتغيرت مواقع النفوذ الاجتماعي، وأعيد تعريف الشرعية السياسية على أساس الجمهورية والمواطنة بدل شرعية الإمامة والنسب. ومع ذلك، فإن أي قراءة جادة يجب ألا تحول هذه الحقيقة إلى قاعدة تقول إن «الزيديين أرادوا استعادة الإمامة»؛ فالمجتمع الزيدي لم يكن كتلة سياسية واحدة، وليس كل زيدي حوثيًا، وليس كل هاشمي حوثيًا، كما أن الدفاع عن الهوية الزيدية لا يعني بالضرورة الدعوة إلى إعادة نظام الإمامة بصورته القديمة.
بعد الثورة الجمهورية، ثم توحيد اليمن عام 1990، دخل شمال البلاد مرحلة جديدة. فقد تراجعت بعض المؤسسات التقليدية التي حملت التعليم الزيدي، في الوقت الذي توسعت فيه التيارات السلفية، وكان مركز دماج في صعدة، المرتبط بالشيخ مقبل بن هادي الوادعي، واحدًا من أبرز مراكز النشاط السلفي. وفي بيئة شعرت فيها شخصيات زيدية بأن نفوذها الديني والثقافي يتراجع، ظهرت حركة «الشباب المؤمن» عام 1992 باعتبارها حركة إحياء زيدي ذات طابع ديني وتعليمي وثقافي. لم تكن في بدايتها جيشًا ولا تنظيمًا مسلحًا؛ بل عملت من خلال التعليم والمخيمات الصيفية والدروس والأنشطة الدينية، وكان من أبرز أهدافها إعادة الاعتبار للتراث الزيدي وتعليم الشباب في مناطق صعدة. وهنا تحديدًا بدأت الهوية الدينية تتحول تدريجيًا إلى مشروع تعبئة اجتماعية وسياسية.
غير أن البيئة التي نشأت فيها «الشباب المؤمن» لم تكن دينية فقط. فقد تزامن إحياء الهوية الزيدية مع شعور متنامٍ لدى بعض قطاعات المجتمع الشمالي بالتهميش، ومع صراع نفوذ بين الدولة والقبائل والتيارات الإسلامية المختلفة، ومع توسع الخطاب المعادي للولايات المتحدة وإسرائيل بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 والحرب الأمريكية على العراق. وفي هذا المناخ برز حسين بدر الدين الحوثي بوصفه الشخصية الأكثر قدرة على تحويل النشاط الديني إلى خطاب سياسي تعبوي. كان حسين قد دخل البرلمان ممثلًا عن حزب الحق الزيدي في التسعينيات.
ثم أصبح أكثر انتقادًا للرئيس علي عبد الله صالح، واتهم السلطة بالتبعية للولايات المتحدة وإسرائيل. وبمرور الوقت أصبحت شعارات مثل «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» جزءًا من التعبئة الحوثية، وتحول الخلاف مع السلطة من خلاف سياسي محدود إلى صراع على طبيعة الدولة والهوية وموقع الجماعة في النظام اليمني.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات اليمنية أهمية: علي عبد الله صالح نفسه كان زيديًا. ولذلك فإن تفسير الصراع الحوثي ــ الصالحي بوصفه مواجهة بين «سني» و«شيعي» لا يصمد أمام تفاصيل الواقع. كان صالح من بيئة زيدية قبلية، ومع ذلك دخل في مواجهة عسكرية مع الحوثيين، ثم تحالف معهم لاحقًا عندما تغيرت موازين السلطة، قبل أن ينقلب عليهم ويُقتل في ديسمبر 2017. هذه المفارقة تكشف أن المذهب كان أحد عناصر الصراع، لكنه لم يكن وحده محركه؛ فقد تداخلت العقيدة مع السلطة والقبيلة والجغرافيا والموارد والتحالفات الإقليمية وحسابات البقاء السياسي.
في عام 2004 وصل الصدام إلى نقطة اللاعودة. حاولت حكومة صالح اعتقال حسين الحوثي بعد تصاعد التوتر، لكنه رفض الاستسلام وتحصن مع أتباعه في جبال مران، فاندلعت الحرب الأولى في صعدة. قُتل حسين في العام نفسه، لكن مقتله لم ينه الحركة، بل فعل العكس تمامًا؛ فقد تحول إلى رمز مؤسس، وانتقلت القيادة تدريجيًا إلى شقيقه عبد الملك الحوثي. وخلال الفترة من 2004 إلى 2010 اندلعت ست جولات رئيسية من الحرب بين الحكومة والحوثيين. وتكشف تقارير الأمم المتحدة أن الصراع في شمال اليمن لم يكن مجرد مواجهات عسكرية متقطعة، بل أدى إلى استمرار فقدان الدولة السيطرة الكاملة على مناطق الشمال واتساع النفوذ الحوثي تدريجيًا خارج صعدة.
ومع كل جولة من حروب صعدة، كان الحوثيون يتغيرون. الجماعة التي بدأت كحركة تعبئة دينية اكتسبت خبرة عسكرية متراكمة، وطورت قدراتها في حرب الجبال، وبنت شبكات محلية وقبلية أكثر اتساعًا، وتعلمت كيفية العمل في بيئة دولة ضعيفة ومؤسسات أمنية منقسمة. وفي الجولة السادسة، التي امتدت إلى 2009 و2010، دخلت السعودية نفسها في المواجهة بعد امتداد القتال إلى حدودها الجنوبية. هنا لم يعد الحوثي مشكلة داخلية يمنية فقط؛ بدأت الجماعة تكتسب قدرة على نقل الصراع إلى خارج الحدود، وهي السمة التي ستصبح لاحقًا جوهر تحولها إلى لاعب إقليمي.
أما إيران، فدورها يحتاج إلى قراءة مزدوجة لا إلى شعار سياسي. إيران لم تنشئ الحوثيين، لكنها أصبحت مع مرور الوقت عاملًا حاسمًا في تطوير قدرتهم العسكرية. فالحوثيون ظهروا في التسعينيات، وخاضوا أولى حروبهم مع الدولة اليمنية عام 2004، بينما كانت العلاقة الإيرانية ــ الحوثية في تلك المراحل الأولى أقل وضوحًا بكثير مما أصبحت عليه لاحقًا. وتشير دراسة لمعهد الولايات المتحدة للسلام إلى أن الدور الإيراني بدأ يتغير بصورة أوضح خلال الاضطرابات التي أعقبت 2011، ثم توسع بعد ذلك، بينما تؤكد دراسات أحدث أن إيران أصبحت المانح الرئيسي للمساعدة الأمنية للحوثيين، بما يشمل نقل الأسلحة والتدريب والدعم الاستخباراتي والمشورة العسكرية.
والفارق بين الحوثيين و«الوكلاء» التقليديين مهم هنا. فالقول إنهم مجرد أداة إيرانية يلغي جذورهم اليمنية وقدرتهم على اتخاذ قرارات مرتبطة بمصالحهم الخاصة، بينما القول إنهم حركة يمنية مستقلة تمامًا يتجاهل حجم الدعم الإيراني الذي ساهم في تطوير قدراتهم النوعية. وتشير بيانات ودراسات أمريكية إلى أن إيران قدمت للحوثيين أسلحة وتدريبًا ومكونات متقدمة، وأن العلاقة تطورت بصورة أكبر بعد التدخل العسكري للتحالف الذي قادته السعودية عام 2015. وبحسب معهد الولايات المتحدة للسلام، أصبح الدعم الإيراني يشمل صواريخ باليستية ومسيّرات قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، فيما ترى دراسات متخصصة أن الدعم الإيراني كان حاسمًا في تمكين الحوثيين من إسقاط القوة خارج نطاق اليمن إلى البحر الأحمر وباب المندب.
لكن التطور السياسي الذي جعل كل هذه العناصر تتجمع كان عام 2014. بعد سقوط نظام صالح في أعقاب احتجاجات 2011 وانتقال السلطة إلى عبد ربه منصور هادي، دخل اليمن مرحلة انتقالية هشة. شارك الحوثيون في مؤتمر الحوار الوطني، لكنهم رفضوا بعض مخرجات العملية السياسية، خصوصًا مشروع تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم اتحادية. وفي الوقت نفسه توسعت الجماعة عسكريًا وسياسيًا، واستفادت من ضعف الدولة وانقسام خصومها. وفي سبتمبر 2014 سيطر الحوثيون والقوات المتحالفة معهم على صنعاء، ثم توسعوا في الأشهر التالية إلى مؤسسات الدولة ومناطق أخرى. وأكد مجلس الأمن أن الحوثيين استولوا على العاصمة في سبتمبر، ثم تحركوا في يناير 2015 للسيطرة على مزيد من مؤسسات الحكم ووضع الرئيس هادي ومسؤولين آخرين تحت الإقامة الجبرية.
المفارقة الأكبر أن صعود الحوثيين إلى صنعاء استفاد من تحالف مؤقت مع خصمهم القديم علي عبد الله صالح. هذا التحالف لم يكن تحالفًا عقائديًا بقدر ما كان صفقة مصلحية بين طرفين جمعتهما خصومة مع خصوم مشتركين. وقد ساعدت الوحدات العسكرية الموالية لصالح في تعزيز تقدم الحوثيين، قبل أن ينفجر التحالف من الداخل وينتهي بمقتل صالح على أيدي الحوثيين في ديسمبر 2017. وهكذا لم يكن سقوط صنعاء نتيجة قوة الحوثيين وحدها، بل نتيجة تفاعل قوتهم العسكرية مع انهيار الدولة، وانقسام الجيش، وتفكك خصومهم، وتحالفهم المؤقت مع شبكة صالح. وهذه نقطة مهمة لأن الجماعة لم تنتصر في فراغ؛ لقد صعدت داخل دولة كانت مؤسساتها تتآكل من الداخل.
وفي مارس 2015، بعد تقدم الحوثيين جنوبًا ووصول الحرب إلى عدن، طلب الرئيس هادي تدخل دول مجلس التعاون والجامعة العربية، فبدأ التحالف الذي قادته السعودية عملياته العسكرية في 26 مارس. وبهذا انتقلت اليمن من أزمة داخلية إلى حرب إقليمية مفتوحة. لم تعد السعودية تواجه جماعة مسلحة على حدودها فحسب، وإنما باتت ترى في تمدد الحوثيين، مع تنامي علاقتهم بإيران، خطرًا استراتيجيًا على أمنها. وفي المقابل أصبحت اليمن بالنسبة إلى طهران جبهة منخفضة التكلفة نسبيًا للضغط على خصمها الإقليمي الأكبر، السعودية، ولتوسيع نطاق نفوذها إلى البحر الأحمر.
خلال سنوات الحرب، تغيرت طبيعة السلاح الحوثي نفسه. فقد انتقلت الجماعة من الاعتماد الأساسي على الأسلحة التي استولت عليها من مخازن الجيش اليمني ومن قدراتها المحلية إلى امتلاك منظومات أكثر تطورًا من الصواريخ الباليستية والمسيّرات والقدرات البحرية. وتقول دراسة لمعهد الولايات المتحدة للسلام إن إيران زودت الحوثيين، بعد تدخل التحالف عام 2015، بأسلحة أكثر تقدمًا، بينها صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيرة تستطيع الوصول إلى إسرائيل. وهكذا أصبح الحوثي قادرًا على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة لإطلاق القوة بعيدًا عن حدوده المباشرة.
ثم جاءت حرب غزة في أكتوبر 2023 لتفتح أمام الحوثيين جبهة مختلفة تمامًا. فقد بدأوا إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، ثم هاجموا سفنًا تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، معلنين أن عملياتهم تأتي دعمًا للفلسطينيين. وبغض النظر عن تقييم الدوافع السياسية والأيديولوجية للجماعة، فإن النتيجة العملية كانت واضحة: الممر الملاحي الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي أصبح أكثر خطورة، واضطرت شركات شحن إلى إعادة توجيه جزء من حركة السفن حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول وأكثر تكلفة. وأشارت تقديرات أمريكية إلى أن حركة الشحن في البحر الأحمر تراجعت بصورة كبيرة خلال فترة الهجمات الحوثية.
وهنا تظهر أهمية باب المندب في الحساب العالمي. فالمضيق، الذي يبلغ عرضه نحو 18 ميلًا في أضيق نقاطه وفق رويترز، يصل البحر الأحمر بخليج عدن، ومن ثم يفتح الطريق أمام السفن المتجهة إلى قناة السويس والبحر المتوسط. لذلك فإن السفينة التي لا تستطيع أو لا ترغب في المرور عبر باب المندب والبحر الأحمر لا تجد مجرد «طريقًا آخر» بسيطًا، وإنما تضطر في كثير من الحالات إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، بما يعني زيادة المسافة والوقود والوقت وأقساط التأمين وتكاليف التشغيل. رويترز وصفت باب المندب بأنه نقطة اختناق بحرية حيوية للطاقة والسلع، بينما توضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت 4.2 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من 2025، مقابل 9.3 مليون برميل يوميًا في 2023، أي أن التدفقات النفطية عبره هبطت بأكثر من النصف مقارنة بمستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر.
والرقم لا يقتصر على الماضي؛ فبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الأحدث تشير إلى أن تدفقات النفط عبر باب المندب ارتفعت إلى 8.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، مقارنة بـ5.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأول من العام، وهو ما يوضح أن حركة الطاقة عبر المضيق يمكن أن تتغير بسرعة تبعًا للظروف الأمنية ومسارات التصدير. وفي الوقت نفسه بلغ متوسط تدفق النفط عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد 5.8 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026. هذه الأرقام تجعل باب المندب وقناة السويس جزءًا من منظومة واحدة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر عند قياس المخاطر الجيوسياسية على تجارة الطاقة.
وفي سبتمبر 2026، دخل الحوثيون مرحلة جديدة من هذه المعادلة. فقد سيطروا في 10 سبتمبر على مدينة وميناء المخا على الساحل الغربي لليمن، ثم أفادت رويترز في 11 سبتمبر بأنهم سيطروا على جزيرة ميون/بريم الواقعة في باب المندب وبلدة ذُباب، في تقدم يعزز موقعهم حول المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. كما أفادت تقارير أخرى بسيطرتهم على جزر استراتيجية في البحر الأحمر، ما يعني أن الجماعة لم تعد تكتفي بامتلاك القدرة على إطلاق النار على السفن من مسافات بعيدة، وإنما تسعى إلى تثبيت حضور جغرافي في المنطقة المحيطة بالممر نفسه.
وهنا يجب أن تكون اللغة الصحفية دقيقة. السيطرة على ميون وذُباب والمخا تعني تعزيز القدرة الحوثية على تهديد باب المندب، لكنها ليست مرادفًا قانونيًا أو عسكريًا لإغلاق المضيق أمام الملاحة أو التحكم المطلق في كل سفينة تمر عبره. إلا أن أهمية التطور تكمن في أن الجماعة باتت أقرب جغرافيًا إلى نقطة الاختناق نفسها، بما يرفع قدرتها على المراقبة والتهديد وفرض كلفة أمنية على شركات الشحن. ولهذا وصفت رويترز التقدم الحوثي بأنه تشديد للقبضة على الممر البحري، بينما رأت وكالة أسوشيتد برس أن السيطرة على المخا وميون تثير مخاوف جديدة بشأن أمن باب المندب، في وقت تراجعت فيه حركة الشحن في البحر الأحمر بنحو 60% مقارنة بالمستويات السابقة للأزمة، وفق تقديرات نقلتها الوكالة.
والأكثر خطورة أن هذا التطور يجري في ظل اضطراب مضيق هرمز أيضًا. فبحسب رويترز، انخفضت حركة السفن التجارية في هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض في سبتمبر، بينما كان باب المندب يشهد حركة مختلفة، في وقت أصبحت فيه السعودية تعتمد بدرجة أكبر على موانئ البحر الأحمر وخطوط تصدير بديلة لتجاوز مخاطر الخليج. وإذا اجتمعت الضغوط على هرمز وباب المندب، فإن العالم لا يواجه أزمة ممر بحري واحد، بل احتمال تعرض نقطتي اختناق استراتيجيتين في المنطقة نفسها للاضطراب، بما يرفع حساسية أسواق النفط والشحن والتأمين.
وهنا تحديدًا تتغير قيمة الحوثيين في الحساب الإيراني. فالجماعة لم تعد مجرد قوة يمكن استخدامها لإزعاج السعودية على حدودها الجنوبية، وإنما أصبحت موجودة على واحد من أهم خطوط التجارة العالمية. وتوضح دراسات مجلس العلاقات الخارجية أن إيران تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم جزءًا مهمًا من شبكة حلفائها الإقليميين، وأن الدعم الإيراني ساهم بصورة حاسمة في تمكين الجماعة من إسقاط قوتها خارج اليمن إلى البحر الأحمر وباب المندب. وفي المقابل، يوفر موقع الحوثيين لإيران ورقة ضغط استراتيجية لا تحتاج فيها طهران إلى نشر قوة عسكرية تقليدية كبيرة على الساحل اليمني.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد هجوم على حدودها. فإذا أصبح باب المندب غير آمن بصورة مستدامة، فإن إحدى طرق تصدير النفط عبر البحر الأحمر تصبح أكثر كلفة ومخاطرة، خصوصًا مع اضطراب مضيق هرمز. وهذا يفسر لماذا ربطت التقارير الدولية الأخيرة بين تقدم الحوثيين وبين أمن صادرات النفط السعودية وأسواق الطاقة العالمية. وفي 12 سبتمبر أفادت رويترز بأن السعودية أوقفت مؤقتًا خط أنابيب الشرق ــ الغرب بعد هجوم بطائرة مسيرة لم تُحسم هوية منفذه، وهو الخط الذي كان ينقل بين 4 و5 ملايين برميل يوميًا ويتيح تجاوز هرمز، بينما تزامن ذلك مع تشديد الحوثيين قبضتهم على ميون وباب المندب.
أما مصر، فالقضية بالنسبة إليها ليست بعيدة جغرافيًا ولا اقتصادية فقط. فكلما ارتفع مستوى الخطر في باب المندب، زادت احتمالات استمرار السفن في اختيار طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني مسافات أطول وزمنًا أكبر وتكاليف إضافية، وفي المقابل يعني ضغطًا على جاذبية قناة السويس. وتجربة السنوات الأخيرة قدمت الدليل العملي على أن شركات الشحن مستعدة لتغيير مساراتها عندما تصبح سلامة السفن مهددة. ولذلك فإن ما يحدث في باب المندب يجب أن يُقرأ في القاهرة باعتباره ملفًا يمس أمن البحر الأحمر، وحركة الملاحة، وإيرادات قناة السويس، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد والتجارة الخارجية في آن واحد.
تكمن المفارقة الكبرى في قصة الحوثيين: جماعة ولدت من قضية محلية، ثم تحولت بفعل الحرب والانهيار السياسي والدعم الخارجي والجغرافيا إلى قوة تستطيع أن تجعل العالم كله يحسب حسابًا لقرارها في اليمن. وش

