حذّر تقرير صحفي واقتصادي وحقوقي مشترك صادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» والعيادة الدولية لحقوق الإنسان بكلية الحقوق في جامعة هارفارد، من الآثار الإنسانية الخطيرة لاستخدام ذخائر الفوسفور الأبيض في النزاعات المسلحة، مؤكدًا وجود ثغرات في الإطار القانوني الدولي تستدعي إقرار معاهدة جديدة ومحددة للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
هيومن رايتس ووتش: 23 واقعة لاستخدام الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان
وجاء التقرير الذي حمل عنوان «حروق خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانية لذخائر الفوسفور الأبيض والحاجة إلى قانون أقوى»، ليوثق 23 واقعة لاستخدام الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان خلال الفترة من مارس إلى مايو 2026، وفقًا للتحقيقات الميدانية التي استند إليها.
وأوضح التقرير أن ذخائر الفوسفور الأبيض تشتعل بشدة بمجرد تعرض حمولتها الكيميائية للهواء، مشيرًا إلى أن استخدامها لا يخضع لحظر دولي شامل، في ظل عدم وجود معاهدة دولية صريحة تحظر استخدامها بشكل كامل.
تحذير من آثار طويلة الأمد
وقالت بوني دوكيرتي، المحاضِرة في العيادة الدولية لحقوق الإنسان بجامعة هارفارد والمستشارة الأولى لشؤون الأسلحة في «هيومن رايتس ووتش»، إن ذخائر الفوسفور الأبيض يمكن أن تتسبب في حروق شديدة الألم وإصابات جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
ودعت إلى إدانة الاستخدام المتكرر لهذه الذخائر، وتكثيف الجهود الدولية لتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني بما يضمن التعامل بشكل أكثر حسمًا مع آثارها على المدنيين.
وأشار التقرير إلى وجود نمط متكرر لاستخدام الذخائر الحارقة منذ عام 2000، موضحًا أن القوات الإسرائيلية استخدمتها في غزة خلال عامي 2008 و2023، كما أشار إلى وقائع استخدام من جانب قوات التحالف الدولي في العراق، بينها الفلوجة عام 2004، وضد تنظيم داعش عام 2017، إضافة إلى استخدامها في اليمن عام 2016، فضلًا عن سجلات لاستخدامها من جانب القوات الإثيوبية في الصومال عام 2007، وقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أفغانستان بين عامي 2005 و2011.
ثغرة قانونية في تنظيم استخدام الفوسفور الأبيض
وأوضح التقرير أن استخدام الفوسفور الأبيض جويًا فوق المناطق المأهولة بالسكان يثير مخاوف كبيرة بشأن حماية المدنيين، مشيرًا إلى أن تأثير هذه الذخائر قد لا يميز بين المقاتلين والمدنيين عند استخدامها في المناطق المكتظة.
ولفت إلى أن الفوسفور الأبيض لا يخضع بشكل كامل للقيود الواردة في البروتوكول الثالث لعام 1980 الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية، والمخصص لتنظيم استخدام الأسلحة الحارقة، نظرًا إلى تصنيف استخداماته المعلنة لأغراض مثل التمويه وإنتاج الدخان والإضاءة، وليس الحرق المباشر بوصفه الغرض الأساسي.
وأشار التقرير إلى أن هذا الوضع القانوني يمثل ثغرة يمكن أن تستغلها بعض الجيوش لتبرير استخدام الفوسفور الأبيض في العمليات العسكرية.
واستندت المنظمتان في التقرير إلى «شرط مارتنز» أحد المبادئ المعترف بها في القانون الدولي الإنساني، والذي يؤكد استمرار حماية المدنيين والمقاتلين وفق مبادئ الإنسانية ومقتضيات الضمير العام في الحالات التي لا تغطيها قواعد ومعاهدات تفصيلية.
وشدد التقرير على خطورة الإصابات الناجمة عن الفوسفور الأبيض، موضحًا أن المادة يمكن أن تسبب حروقًا عميقة تصل إلى الأنسجة والعظام، كما يمكن أن تعاود الاشتعال عند تعرضها للهواء، ما يزيد من خطورة الإصابات وصعوبة علاجها.
وطالب التقرير بوضع قواعد دولية أكثر صرامة ووضوحًا لتنظيم استخدام هذه الذخائر، بما يعزز حماية المدنيين والمناطق السكنية من آثارها.

